حيدر سعيد من الأدب إلى"المرويات" الكبرى

الأحد 2014/06/08
حيدر سعيد يعتقد أنّ الأدب العراقيّ لم يخرج من صدمة نيسان 2003

ابن النجف الذي ظلّ يحتفظ بعلاقة خاصّة معها حتّى الآن، بقيت عنده المدينة تتشكّل ممّا عاشته من أحداث تنويريّة حقيقيّة، مثل لحظة إلقاء الجواهري لعمامته في الكناسة (منطقة لرمي الأنقاض خارج الكوفة). يعدّ التزامه بتعميق هذه الصلة مع محطّة التكوين الأوّل، ليس التزاماً تجاه بيئة دينيّة متشدّدة ومتعصبة لا تفهم من العالم سوى هويّتها الطائفيّة، "دائماً هناك نجفي"، يقول ذلك وإن كان التوصيف لمكانٍ متخيّلٍ اليوم، فوالده موظف يتحدّر من طبقة متوسطة وعائلته محافظة، لكنّها دعمت حريّة اختياراته، سواء في التفكير أم النظرة إلى الدين، فلا وجود لأيّة قيود فُرضت عليه، مع أنّها لم تكن تسمح له بالتحرّك في الصغر، لدرجة شعوره بالافتقار إلى الطفولة وذكرياتها، بل حتّى صداقاته المهمّة والكبيرة بدأت مع مرحلة النضج الأوّل.

قضى سعيد سنتين من طفولته في مصر بين العامين 1976-1978، برفقة والده الذي كان ينتظر إكمال الدراسات العليا في جامعة القاهرة، هناك دخل مدرسة فرنسيّة اسمها “ليسيه الحريّة”، وفيها وجد احتضاناً وتشجيعاً من لدن مدرّسيه باتجاه قراءة الأدب.


ملمح ميتروبوليتاني


يعود ذلك الصبيّ إلى النجف ويحرص على أن تكون له زاويته الخاصّة في مكتبة العائلة، كي يعلن للآخرين أنّه انتقل من قراءة مجلات الأطفال "مجلتي والمزمار" إلى كتب الكبار، حيث روايات أجاثا كريستي، وديوان الجواهري، وكتاب "لمحات اجتماعيّة من تاريخ العراق الحديث" لـ"علي الوردي".

يرى بأنّ المدرسة أفادته أكثر ممّا تعلّمه في المرحلة الجامعيّة، لكنّ الدراسة الأكاديمية لا تعني فقط الانتقال من النجف إلى بغداد وجامعاتها، ومجرّد الاحتكاك بالوسط الثقافيّ، بل كانت تحمل في جوهرها الانخراط في اتجاهات النقد المعاصر، عندها بدأت حالة الافتراق عن الرؤى التقليديّة التي يقدّمها الدرس الأكاديمي.

"بغداد لا تشبه سائر مدن العراق، تتفتّت فيها المراكز وهي ذات ملمح متروبوليتاني، فيها طوائف وأعراق وأديان واختلاط وهجنة ولا مجال فيها لهويّة أحادية"، يستغرق سعيد في توصيفه لعاصمة بلاده وكيف أنّه لم يعد يمكنه العيش في مدن الهويّة الواحدة.

يتذكّر عقد التسعينات هناك، يوم كان أحد الفاعلين في المشهد الثقافيّ ببغداد، ويشير إلى مبعث تظلّم التسعينيين، "بوجود محاولات من عدة باحثين للتحدّث عنهم، لكن لا أحد في تاريخ الأدب يشير إليهم بوصفهم كياناً بأهمية الأجيال السابقة". ولأنّ الظروف التي تلت حرب الخليج الثانية العام 1991، كانت لها تأثيراتها في مناحي الحياة وبضمنها الإبداع والحراك الثقافيّ، شاعت تصوّرات عن الحيف الذي لحق بأبناء التسعينات، لجهة فقدان الإطار المؤسّسي الذي كان يدعمهم عبر الدولة في العادة، غير أنّ حيدر سعيد ومجموعته التي كرّست جهدها للنقد، برزت كمفاجأة وسط أجواء الخيبة تلك، ليتبيّن لاحقاً انّ “التسعينات” قدّمت جيلاً فكريّاً ولم تقدّم جيلاً شعريّاً.


جو عدائي


أما أهمّ محاولاتهم فهي كسر هيمنة الشعر على الثقافة العراقيّة، ومواصلة ما بدأته تجمّعات نقديّة سابقة مثل جيل عبدالله إبراهيم وسعيد الغانمي، فضلاً عن مسعاهم في إخراج المناهج النقديّة الغربيّة من قراءة الأدب إلى قراءة المرويات الكبرى للثقافة ونقدها، مثل الدين والتراث والهويّة، ومن ثمّ بعد نيسان العام 2003 توجّهت المجموعة هذه إلى نقد الدولة وتشكّل الأمة.

تمرّ السنوات، وتحديداً العام 1999، تقرّر وزارة الثقافة إعادة إصدار مجلة "الطليعة الأدبيّة"، بتكليف رئيس تحرير محسوب على "مثقفي البعث"، اقترحوا عليه- لانشغاله بأطروحة الدكتوراه- الاستعانة بمجموعة أدباء شباب لتحرير المجلة، كانوا هم علي بدر، وأحمد الشيخ علي، وجمال العميدي، وحيدر سعيد، فوجد هؤلاء فرصة في إصدار عدد متميّز في ظروف من “العمل على تخوم الخطر”، وفعلاً أولى نتائج هذه الخطوة التي حظيت باهتمام استثنائي، أن تمّ إبعاد المجموعة الشابة عن العمل بعد إصدارها اليتيم الذي لم تظهر فيه أية صورة لصدّام مع مكاشفة حقيقية عن تاريخ الفكر والثقافة العراقيتين، فضلاً عن ملف عن قصيدة النثر (كانت تعدّ نتاجاً متمردّاً على المؤسّسة الرسمية آنذاك).

وقتَها كان سعيد وزملاؤه بمواجهة جوٍّ عدائي، استمرّت تبعاته حتّى أواخر العام 2001.

الإقرار بما يسميه “قوانين الثقافة العراقيّة”، ومنها “هيمنة الشعر”، فرضت نفسها عليه ليكتب الأدب (مجموعة قصائد في البداية)، لكن معها كتب بياناً في العام 2002 عن “موت الشعر”.

وإلى يومنا بقي مقتنعاً بأنّ تاريخ عقد “التسعينات” على مستوى الثقافة والدولة والمجتمع، لم يكتب بعد، فهو يعدّ أنّ نهاية هذا العقد حلّت مع نيسان العام 2003، “كأنّ كلّ هذه الحقبة ذهبت مع سقوط النظام من دون أن تكون ولو محاولة لتوثيقها وما جرى فيها”، تصوّر كهذا يمهّد لاعتقاده بأنّ جيله لم ينشغل بكتابة تاريخه برغم وجود محاولات آنية ومحدودة، بقدر انشغاله بالإشكاليات التي طرحها سقوط النظام (الهويّة، والدولة).


تعريف المثقف


انشغاله بالسياسة العراقيّة وأزماتها، يجده متابعون أنّه أبعده عن تكريس حضوره بوصفه مفكّراً، في حين هو الباحث الرافض لصورة المثقف “السائدة” و”المغلوطة” التي تحصر نشاطه في الأدب فقط، في حين “كلّ تعريفات المثقف بدءاً من غرامشي إلى إدوارد سعيد لا تفصل بين المثقف والشأن العام”.

يوضّح دأبه في خوض الحوارات وكتابة المقالات، بأنّه جزء من مشروعه الأساسي المتمثّل بـ”إعادة تعريف المثقف واكتشاف هويّته ووظيفته”، والذي يراه متحقّقاً على نطاق أوسع في السنوات الثلاث الأخيرة، وما انخراط المثقفين في حركة الاحتجاج المدني وكونهم العنصر الفاعل فيها، إلا أدقّ تعبير عن نشوء حركة جنينية لولادة “مثقف جديد”، ملامحه أنّه لن يبقى منعزلاً عن الشأن العام، وسيؤدي دوراً حاسماً في بناء القيم المدنيّة.

“المثقف أبرز المدافعين عن حريّة التعبير، والذي لن يكون مثقفاً دولتياً مثلما كان في السابق أسيراً لرؤية (الدولة أب للمجتمع)”.

يؤمن -إلى حدٍّ بعيد- بمثقف “لا دولتي” و”ابن عاق للعواطف السائدة”، وكتابة المقالات بالنسبة إليه أكثر من موقف. “المعركة اليوم ليست من أجل القضايا الكبرى مثل الدولة العلمانيّة، بل إنّ مشروع التحديث يجب أن يُدار بدءاً من التفصيلات الصغيرة”، بهذه الكلمات يلخّص قناعاته عن الراهن.

بطاقة شخصية
حيدر سعيد، مفكر وباحث عراقيّ، مواليد العام 1970 في مدينة النجف (160 كم جنوب بغداد)، انتقل للعيش في بغداد العام 1987 ليدخل كلية الآداب- جامعة بغداد، بدأ العام 1991 ينخرط في التجمّعات الأدبيّة والثقافيّة آنذاك، صدر له العام 2002 كتابه الأوّل “الأدب وتمثيل العالم”- طبع على نفقته الشخصيّة بطريقة الاستنساخ، غادر العراق العام 2006 إلى الأردن للعيش هناك عقب أحداث العنف الطائفيّ ببغداد. يعمل اليوم مستشاراً في المركز العراقيّ للدراسات الاستراتيجية من مقره في عمان.

مقالات حيدر سعيد في صحيفة العالم البغداديّة، عن قضايا إشكالية، مثلاً ما يخص مشاريع القوانين المتعلقة بحريّة التعبير أو تنظيم الحملات المدنيّة بين حين وحين، تترجم رؤيته للدور الأمثل للمثقف اليوم وكيف يمكنه التأثير في النخب السياسيّة البرلمانيّة، وبالأخص في موضوعة التشريعات التي تمسّ مفاصل الدولة الليبراليّة.


نقد المرويات


ما يتبنّاه سعيد تحضر ظلاله في كتابيه، الأوّل “سياسة الرمز: عن نهاية ثقافة الدولة الوطنيّة في العراق”- المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر 2009، وهو محاولة في نقد المرويات الكبرى للدولة العراقيّة ونقد أفكار الوطنيّة والهويّة والعلاقة العدائية بالغرب التي قدّمتها الدولة منذ العام 1921. في حين كتابه الثاني “الأمير ما بعد الحديث” يركّز على دور المجتمع المدني في المسار نحو الديموقراطية، وترسيخ مفهوم “المثقف الناقد للثوابت” وليس “المنتج الجماليّ فقط”.

لا تستهويه حالياً الكتابة عن المنجز الأدبيّ، يشعر بنفسه خارج هذا الحقل، حتّى عندما كتب عن السيّاب في الجريدة الخاصّة بمهرجان المربد الشعريّ قبل عامين، تحدّث عن تداخل نصّ صاحب “حفار القبور” و”منزل الأقنان” مع مشروع بناء الأمة والدولة، فالعراق –في نظره- ولد في قصيدتي “غريب على الخليج” و”أنشودة المطر”، هنا يكتب عن كيان وجداني (العراق)، ليس من منظار الناقد الأدبيّ وانّما برؤى سوسيو ثقافيّة.

يستعيد الحادث الإرهابيّ الذي لحق بكنيسة “سيّدة النجاة” ببغداد، يومها كتب مقال “أنا مسيحي”، انطلاقاً من أنّ المسيحيّة موقع للدفاع عن المواطنة العراقيّة. برغم مسعاه في البقاء قريباً من المخاض، لا يلمس أية ضمانات لأن تصبح المنطقة والعراق تحديداً ديموقراطية ليبراليّة على غرار ما في العالم، لكن “مجال العمل والدفع بالبلاد إلى خيارات أفضل ما زال موجوداً”.

النتيجة التي اكتشفها بعد عشرة أعوام من إسقاط صدّام، أنّ ” الثقافة السياسيّة للعراقيّين لا تتعدّى فكرة المستبد العادل”، إذ يجدهم لا يؤمنون بنظام يصون الحريّات؛ ثمّة سلبية اجتماعيّة لا تكترث للنظام السياسيّ وحتّى شكل المكان الذي يحيون فيه.

ومع كلّ ما يطرحه من تصوّرات ايجابية عن طبيعة علاقته بمدينته النجف، يقرّ بعقوقه لها؛ لانتقاده لحظات كثيرة في تاريخها كلّما بدت متشنّجة، والأمر نفسه ينسحب على العائلة، وبالأخص بعد العام 2003، فما يشغله اليوم بحسب توصيفه: “مواجهة روح التسلّط التي برزت في مساحة واسعة من الإرادة الشيعيّة والتفكير الشيعيّ العراقيّ”، لإحساسه بمظاهر دكتاتورية الأغلبية الآخذة في الظهور مع العودة إلى الإيمان بهويّة أحاديّة للبلاد.


وظيفة المثقف


في تشخيصه لذلك ما يجده تطابقاً مع وظيفة المثقف الذي لا يبرّر العواطف السائدة ولا يفكرنها، وبالتالي يرى في “مواجهة تسلّط بعض النخب الشيعيّة اليوم لحظة مفصلية في تاريخ المثقف العراقيّ”.

يثير انتباهه تقرير عرضته قناة السومرية، عن فعاليّة ثقافيّة رعاها الوزير الفلاني، يعلّق مباشرة: “فكرة رعاية الدولة للثقافة قائمة؛ لأنّنا مجتمع دولتي يشعر بأنّه هامش على الدولة التي تملك الثروات وتوظّف الناس وتفكّر لهم وتسوقهم إلى المعارك”.

يجرّنا ذلك الحديث إلى موضوع تأجيل فعاليّات النجف عاصمة للثقافة الاسلاميّة 2012، حيث “تبعات سوء الإدارة”. ما يستفزّه أنّ “الفشل المستمرّ أصبح قصّة اعتيادية عند المجتمع"، الأمر الذي دفعه إلى تبنّي مبادرة ينهض بها مثقفون عراقيون مع منظّمات مجتمع مدني لإحياء فعاليّات “النجف عاصمة..”، لكنّها لم تنجح في النهاية.

ينظر إلى أن من بين أهمّ الالتماعات على صعيد الحراك الثقافيّ العراقيّ، إقامة ملتقى عالم الشعر في النجف في العامين الماضيين، لكنّه يعتقد أنّ الأدب العراقيّ لم يخرج حتّى الآن من صدمة نيسان 2003 بوصفها حدثاً مركباً: سقوط استبداد بيد قوات احتلال أجنبية، فلم يكن سهلاً تعاطي المثقفين والأدباء مع حدث مثله، إذ لم يطالع أدباً يتجاوز تلك الصدمة إلا في السنتين الأخيرتين وبالأخص في الرواية، “حيث روايات “مدينة الصور” للؤي حمزة عبّاس، و”السيد أصغر أكبر” لمرتضى كزار، و”حارس التبغ” لعلي بدر، مع أعمال أخرى”.


أمراء الهويات


بغداد، المحطّة التي يعود إليها دائماً، هي “نقطة صراع هويّات وفرق”، غير أنّها تبقى “المدينة الوحيدة التي تمثّل الهويّة العراقيّة المركبة بما تحتضنه من طوائف وأديان”. أما السؤال الأكثر إلحاحاً الذي يفكّر به فهو “كيف نُخرِج بغداد من مأزق منطقة الصراع بين أمراء الهويّات؟ باتفاق وطنيّ على نظام حكم يضمن شراكة الجميع، وبانتظار جيل سياسيّ يبزغ من قلب المحرقة التي نعيشها”.

يلمس في علاقة العراق بالعالم العربيّ، شيئاً من الهواجس وعدم الثقة التي حكمتهما، “منذ عشر سنوات والطرفان لم يطوّرا علاقتهما، بل يزداد التخندق وتتسع الشِقة يوماً بعد يوم، وحان الأوان لمراجعة ذلك”.

يقف سعيد مع الربيع العربيّ إلى النهاية، ويرفض الوصول إلى لحظة الدفاع عن أنظمة الاستبداد، خوفاً من سيطرة الإسلاميّين على السلطة، لأنّهم “نتاج 60 عاماً من الدكتاتورية العربيّة”، لذا نلمس نبرة تفاؤل واضحة في إشارته إلى “الحراك السياسيّ الذي أطلقته الثورات وإمكانية إيصال المنطقة إلى خيارات أفضل”، إذا ما تضافرت جهود القوى المدنيّة والمثقفين.

16