حيرة السني العراقي بين داعش والصفويين

الثلاثاء 2014/08/26

مثقف عراقي يعمل مترجما لوكالة أنباء عالمية ومترجما محترفا للصحفيين الأجانب أرسل لي هذه الرسالة: «عزيزي أسعد. يعجبني كثيرا التغير الذكي الذي انتهجه عقلك الحاذق. صدقني داعش مو خوش أوادم، ويضرون السنة أكثر مما ينفعونهم. بالفترة الماضية كنت مشغولا جدا بالانتقال إلى سكن آخر. تركت منطقتي الشيعية الخطيرة ببغداد والحمد لله. قبل ثلاثة أسابيع من الآن فتحت صفحتك لأقرأ ما تقول، فلم يعجبني الكلام كثيرا وأغلقتها حزينا. أما الآن فأنا سعيد بما تكتب.»

فكان جوابي له: أستاذ (…….) مرحباً بعودتك. الوضع محيّر نريد طرد إيران، ونريد بغداد، ولا نريد داعش. لكنها أحيانا تشفي الغليل، سامحني إذا خذلتك أحيانا.

فعاد المثقف نفسه يقول لي “داعش عصابة مجرمة تحركها السياسة أكثر بكثير من الوازع الديني المتشدد، لكن بسببها طار نوري المالكي، وبسببها بدأت وسائل الإعلام الرصينة وغيرها تقول إن السنة مظلومون في العراق، وبسببها بدأت الحكومة العراقية تنظر بعين الاهتمام لمطالب السنة بدل الاستخفاف بها. أرجع وأقول داعش مجرمة حقا. لو السنة في العراق صاروا أذكياء بما فيه الكفاية راحْ يحاولون التقرب من أميركا وعدم مخاصمتها إذ لا طائل في مخاصمتها.”

هذا يعني أنه حتى هذا المثقف العلماني المعادي لداعش هو في الحقيقة حائر، لأنه يعترف بفضلها، فعلى ماذا يعاتبني؟ أنا لم أكتب سوى هذا الكلام. المثقف السني حائر فهو كما يقول المثل العراقي “مشتهي ومستحي”. أنا مبايع للموصل والأنبار ولسنة العراق، ولست مبايعا للبغدادي، غير أنه قام بنفع كما قام بضرر بعد ذلك فماذا أكتب؟

الكتابة خطر فهي ليست عقلانية أحيانا، ويمكن أن تسكنها الأرواح القديمة. يمكن لكاتب موهوب إذا لا ينتبه أن يسمع الصوت نفسه الذي يسمعه البغدادي. وهنا تقع الكتابة في السحر والجاذبية، إلا أنها قد تخرج من العقلانية والمصلحة. من المفيد أن يخرج الكاتب من حين لآخر ليحتسي القهوة في مكان على البحر، أو يلعب مع طفل ويشعر بوزنه على ذراعه. حتى سماع الموسيقى أو مشاهدة برنامج ساخر، كل هذه الأشياء تروّض الكتابة من أن تكون خطرا على الكاتب. أحيانا ودون قصد تستحضر روحا قديمة بقلمك، وقد تكون هذه الروح خطرا عليك.

إيران هي المسؤول الأول عن استحضار التاريخ والأرواح القديمة من العصور المظلمة. وهذه الدعاية الشيعية السخيفة التي روج لها أكبر المثقفين العراقيين بعد الاحتلال عام 2003. حتى زعيم الشيوعية فخري كريم صار يكتب عن دور الحزب الشيوعي في إحياء مراسيم عاشوراء والتبرك بالقبور. هذه سياسة إيرانية قديمة في العراق، وهي التي بعثت مراد الرابع عام 1638 إلى إعلان الحرب المشهورة على بغداد لطرد الفرس منها. فلم يكتف الفرس بإهمال قبر أبي حنيفة النعمان حينها، بل عملوا على تدنيسه لتحقير السنة وإذلالهم. فسافر أحد علماء السنة إلى اسطنبول وتوسل في أن يخطب في إحدى الجمع بحضور السلطان. فرقي المنبر ووصف الضيق الذي فيه المسلمون ببغداد، وذم مذاهب “الرافضة” الذين ملأوا قبر الإمام الأعظم بالقاذورات وقال “إن حدوث ذلك واستمراره سيكون عارا على السلطان وآل عثمان الذين يدعون بأنهم حنفية، ما لم ينتقم السلطان من الفاعلين وينقذ المسلمين”.

ذات الأمر حدث بعد أربعة قرون حين توجه الدكتور عدنان الدليمي إلى الرياض، وبكى الشيخ المسنّ متوسلا بأهم مركز سني في العالم لإنقاذ أهل السنة في بغداد وحماية مساجدهم من الفرس. ذلك الخطاب الوجداني المؤثر أثار مشاعر العاهل السعودي شخصيا ضد السياسة الصفوية في العراق.

أيمن الظواهري أمير القاعدة يقول لا يجوز تكفير أو قتل عوام الشيعة، لأنهم مسلمون أخطأوا في العقيدة ولا ذنب لهم. بينما داعش على لسان العدناني تحتج وتقول بتكفير الشيعة وقتلهم. ونحن إذا ندين هذا التطرف العجيب الذي لم يعرفه العراق عبر تاريخه نتساءل من المسؤول عن ظهور هذا الظلام؟ إيران بإصرارها على التعامل مع السنة كأقلية في العراق وكإرهابيين في سوريا. أكثر من مليون قتيل سني منذ الاحتلال حتى اليوم، وبدأ السنة يرون أن التسامح ليس في صالحهم. بالتسامح أصبحت بغداد السنية شيعية، وكذلك البصرة، وأصبحت سامراء حلما في خيال السنة اليوم. البغدادي الدموي لا يطرح أسئلة سهلة على السنة بل هي أسئلة صعبة وموجعة.

قبل ثلاثة أسابيع قامت الميليشيات الشيعية باقتحام قبر الرئيس صدام حسين ونبشه والعبث به وتسجيل فيديو يثير مشاعر الغضب لدى السنة حول العالم. قال صدام حسين مرة “إن البعثي لا يشيخ، ولا يموت إلا إذا ضجر من الحياة”. وفعلا حين صعد إلى المشنقة ضاحكا، كان قد نيّف على الستين بكثير غير أنه صعد بشباب عجيب. ويبدو أنه ضجر حقاً من عالم سخيف تحكمه أساطير الصفويين المتعفنة، وهو رجل كما يبدو قد سقط حقاً من المعلقات. تخيلوا طرفة بن العبد أو الأعشى أو صدام حسين يلطم على الحسين.

لقد أُعدم الرئيس العراقي إعداما طائفيا في عيد الأضحى عام 2006 والعاصمة غارقة في الحرب الأهلية، ثم في عام 2014 تم العبث بقبره. كل هذا يتم باسم الحسين رغم أن الحسين نفسه بريء من عبادة القبور، فهو أيضا نسر عربي قتيل وليس دودة قبر.

التطرف الذي نراه اليوم هو عفريت من العصور السحيقة استحضره الفرس بمساعدة الأميركان، ولطالما حذرت السعودية من هذا المصير لمعرفتها بالتاريخ وبخطورة اللعب بالعقائد الذي تصر عليه إيران.


شاعر عراقي مقيم في كندا

8