حيرة القارئ أمام لغز قاتل ليلى الحايك

رواية "الشيء الآخر" لغسان كنفاني ذات طابع بوليسي تروي محاكمة محام أدين بقتل صديقة زوجته، فيؤثر الصمت على إثبات براءته حتى لا يسيء لمن يحبهم.
الأحد 2019/04/07
السارد شخص محكوم عليه بالاعدام يكتب رسالة لزوجته (غرافيك -مجلة الجديد)
 

نُشرت رواية غسان كنفاني “الشيء الآخر، أو من قتل ليلى الحايك”، أول مرة في مجلة “الحوادث” الأسبوعية التي كانت تصدر في بيروت، على تسع حلقات متتالية ابتداءً من يوم الجمعة 25 يونيو 1966. وهي الرواية التي تزامنت، في العام نفسه، مع روايتيه “ما تبقّى لكم” و”العاشق” (رواية غير كاملة). ولم ينشرها كنفاني في كتاب مستقلّ، قبل استشهاده عام 1972 مع ابنة أخته لميس في انفجار سيارة مفخخة على يد عملاء إسرائيليين. وصدرت طبعتها الأولى عام 1980، تلتها طبعة ثانية، ثم ثالثة. وقد تعرض كنفاني بسببها إلى حملة انتقادات عنيفة جدا، لأن عالمها يختلف جذريا عن عالم روايتيه السابقتين “ما تبقّى لكم” و”رجال في الشمس”، وكأن منتقديه وضعوا له إطاراً يحظر عليه الخروج منه، وهو الإطار “الوطني والقومي والنضالي”، كما يقول الكاتب المغربي مصطفى الولي (الجديد: 1/3/ 2015).

يفصح عنوان “الشيء الآخر، أو مَن قتل ليلى الحايك” عن السؤال/اللغز الذي يهيمن على البنية الدلالية للرواية، وهو “من قتل السيدة ليلى الحايك؟”، وبذلك فإن العنوان يشكّل عتبةً استباقيةً تتحكّم في توجيه قارئ الرواية إلى ناحية سياقية محددة هي إثارة فضوله لمعرفة القاتل الحقيقي وليس شيئا آخر، أو لجعله يخمّن أياً من المتهمين (على افتراض وجود أكثر من متهم) تنطبق عليه مواصفات القاتل؟ وأرى أن من عيوب عنوان كهذا أنه يضع القارئ في دائرة مغلقة ليدور في حدودها، في حين أن العناوين الأكثر “مقبوليةً”، في تصوّري، هي التي تخرق أفق انتظار القارئ (أو ترقبه)، حسب منظور جمالية التلقي، وبتعبير ياوس “تدمير المعيار القائم للتوقعات”، وهو ما يسميه بـ”الجمالية السلبية”، أو “الجمالية الانتقائية”. ويبدو لي لو أن كنفاني اكتفى بالعنوان الأول “الشيء الآخر” لما كان له هذا الأثر “السلبي” في توجيه القارئ هذه الوجهة.

على أيّ حال، الرواية ذات طابع بوليسي أو شبه بوليسي، وإذا كانت السمة الكبرى للرواية البوليسية ترك القارئ في حيرة من أمره أمام لغز موضوعها، فإن رواية كنفاني من هذا النوع. لكن لغز هذه الرواية ليس في تفاصيلها، بل في ثيمة محددة هي “القاتل المجهول” مقابل صمت المتهم بقتل السيدة “ليلى الحائك”، وهو المحامي “صالح”، الذي يؤثر الصمت طوال أيام التحقيق والمحاكمة. لكن لماذا؟ يقول في إحدى لحظات اعترافه إنه “وليد شيء آخر: لو كان وليد الشجاعة لحطّمه الخوف ولكنه وليد الاقتناع.. كلا، وليد ما هو أكثر عمقاً من الاقتناع، وليد الشعور بالعبث” (ص 84، ط 3). ويحيلنا هذا الشعور على شعور “ميرسو”، بطل رواية “الغريب” لكامو، بالعبث واللامبالاة، لكن الفرق بين الشعورين أن الأول يدفع “صالح” إلى الصمت، أما عند كامو فإنه يدفع “ميرسو” إلى قتل الشاب العربي، الذي وقع بينه وبين “رايمون” (صديق ميرسو) شجار على الشاطئ نتجت عنه جروح سطحية في ذراع الثاني وفمه.

المصادفة

ثمة عنصر مشترك بين كلا الروايتين هو “المصادفة”، ففي رواية كنفاني يقتنع “صالح” بأن الذي رتّب قصة مقتل “ليلى” كلها هو “شيء” أكبر من تسلسل الحوادث المنطقي، وأن البطل الوحيد فيها هو قوة لا يستطيع القانون الاعتقاد بوجودها إلاّ إذا جاءت لتثبت بطلان شيء حدث، وليس حين تكون هي وراء شيء يحدث (ص 63). هذا الشيء هو “المصادفة”. وفي رواية كامو يجيب “ميرسو” القاضي، الذي سأله عما إذا عاد إلى النبع بقصد قتل العربي، “كلا.. إن الأمر محض صدفةً” (ص 104، ترجمة محمد آيت حنّا، طبعة دار الجمل). وتتردد كلمة “الصدفة” في المحاكمة على لسان “رايمون”، والمدّعي العام أكثر من مرة، بل إن الأخير يتصدى لـ”رايمون” قائلاً “إن الصدفة أثقلت كاهل الضمير بما يكفي من الأوزار في هذه القضية” (ص 111).

في رواية كنفاني يقتنع “صالح” بأن الذي رتّب قصة مقتل “ليلى” كلها هو “شيء” أكبر من تسلسل الحوادث المنطقي، وأن البطل الوحيد فيها هو قوة لا يستطيع القانون الاعتقاد بوجودها

ولعل وجود هذا العنصر المشترك بين الرّوايتين ما يدعو إلى القول إن كنفاني ربما كتب روايته ببعض التأثر برواية كامو، في سياقها العام، وقد أشار بعض الكتّاب إلى شيء من هذا القبيل في ملاحظته أن “صالح” حوّل المحاكمة في ذهنه إلى محاكمة شبيهة بمحاكمة “ميرسو”. لكن لا بد من التأكيد أن “المصادفة” لعبت دوراً حقيقياً في رواية كنفاني، في حين أنها أقرب ما تكون إلى اصطناع حجّة واهية من طرف رجل عابث، غير مبالٍ، يستبطن حسّاً “عنصرياً”، “كولونيالياً” في رواية كامو. وما يعزّز ذلك أنه عاد إلى موقع الشجار، عقب ساعات قليلة من وقوعه، حاملاً مسدساً، وحينما ينتهي من تنفيذ جريمته يصف جسد ضحيته بأنه “جسد كانت تخترقه الرصاصات دون أن يظهر عليه أثرها. وكان الأمر أشبه بأربع طرقات خفيفة أطرقها على باب الشقاء” (ص 72).

لا يكتفي “صالح” بتسويغ الصمت على أنه وليد الشعور بالعبث فقط، بل اختاره لعدة أسباب، مدركاً معناه ونتائجه، أكثر من أيّ إنسان آخر، إدراكاً كاملاً، فهو يعزوه تارةً إلى أنه قرّر عدم الاعتراف بعلاقته بـ”ليلى”، أوّلاَ لأن تلك العلاقة ليس لها أدنى ارتباط بالأمر كله، وثانياً لأن “ليلى” يجب أن لا تدفع ثمن اعترافه الذي لن يحل اللغز بأيّ حال من الأحوال، وثالثاً لأن مثل ذلك الاعتراف سيدمّره هو وزوجته وأطفاله. ويعزوه تارةً أخرى إلى أنه لو أطلق لسانه لأساء إلى عدد كبير من الناس الذين يحبهم دون أن يقدر على إثبات براءته، ومن بين هؤلاء “سعيد الحايك” زوج “ليلى”.

الرسالة

شيء لم يعرفه القانون
شيء لم يعرفه القانون

السارد في الرواية هو الشخصية الرئيسة نفسها “صالح”، يكتب رسالةً لزوجته “ديما” بينما ينتظر تنفيذ الحكم الصادر بحقه “الإعدام شنقاً حتى الموت”، بعد إعلان القاضي أن هيئة المحكمة مقتنعة تماماً بأن صمته هو نوع من الاعتراف الرسمي بالجرم سببه وفرة الأدلة،  ويطلب “صالح” من محاميه تسليم الرسالة إلى زوجته. في هذه الرسالة يعترف بكل شيء، يخاطب “ديما” والقارئ معاً، راوياً القصة الحقيقية، قصته وقصة ذلك “الشيء الآخر” الذي كان، طوال أيام السجن القاسية، في عراك صامت معه. واستهلال الرسالة هو مفتتح الرواية نفسها “أنا لم أقتل ليلى الحايك.. أقولها لكِ أنتِ، يا ديما الحبيبة الرائعة.. وأقولها لكم جميعاً أيضاً. أقولها لكم جميعاً للمرة الأخيرة، دون أن أتوقع مردوداً لا بالجزاء ولا بالعقاب، ولذلك لا بد أن تكون صادقةً: فليس ثمة أصدق من حكم يطلقه على نفسه رجل ميت! أنا لم أقتل ليلى الحايك” (ص 11).

في سياق تبرئة “صالح” نفسه يقول مخاطباً زوجته “شيء آخر هو الذي قتل ليلى الحايك، شيء لم يعرفه القانون، ولا يريد أن يعرفه.. شيء موجود فينا، فيك أنت، فيّ أنا، في زوجها، وفي كل شيء أحاط بنا جميعاً منذ مولدنا. نعم: أنا جزء من الجريمة، وأنت كذلك… ولكن الذي نفّذ الجريمة هو وحش غامض ما زال -وسيظل- طليقاً” (ص 13).

يسرد “صالح” في الرسالة، مجريات التحقيقات التي تمت معه، ويكشف من خلالها أن “سعيد” صديقه، وأن “ديما” هي التي عرّفته، في نادٍ ليلي، ليلة عيد ميلادها، إلى زوجته وصديقتها أيام الدراسة “ليلى”، ويعترف بأن ليلى كانت نصف جميلة، لكنها امرأة سهلة، تتوقد باهتياج مثير، وليس بوسع الرجل العاقل أن يمنع نفسه من التفكير بها كعشيقة. ويقوده هذا الهاجس إلى بذل محاولة لاصطيادها، رغم أنه يحبّ زوجته، مستثمراً تكليف زوجها “سعيد” له بأن يتولّى الدفاع عن دعوى يريد أن يرفعها شاب في الأرجنتين يدّعي أنه ابن غير شرعي لوالد “ليلى”، ويطالب بحصته من الثروة التي تركها ذلك الوالد. والموضوع برمته بالنسبة إلى “سعيد” أنه يحب “ليلى” ولا يريدها أن ترث المال كي لا يفسد عليه كل شيء، ولا هو يريد أن يرث ذلك المال. ويستغل “صالح” زيارة “ديما” لأختها في بغداد، ورحلة “سعيد” إلى الأرجنتين لإجراء تسوية مع الابن غير الشرعي، فيدعو “ليلى” إلى سهرة في أحد المطاعم، ويقنعها بشرب كمية من النبيذ أكثر ممّا أرادت، ثم يوصلها إلى شقتها، ويتبعها إلى الداخل  لتحقيق نزوته. ويعترف بعد ذلك بأنه ذهب معها إلى الفراش تحت دافع من المصادفة والاشتهاء والتغيير، وقد استعمل كلاهما القوة الفائضة التي أفرزتها المصادفة والشهوة خارج طوق العادة.

ويستمر السرد، وصولاً إلى اتهام “صالح” بقتلها لوجود أدلّة تدينه، قبل أن ينتقل إلى وقائع المحاكمة، بكامل تفاصيلها وإفادات الشهود فيها، والتي تنتهي إلى الحكم عليه بالإعدام.

يسفر كنفاني، في هذه الرواية، عن امتلاكه ثقافةً قانونيةً رصينةً، مظهراً معرفةً دقيقةً بأصول القوانين والمحاكم وأساليب الادعاء والدفاع، إلى جانب ثقافة معرفية يوظفها في غاية السلاسة، وعبر تساؤلات شبه فلسفية حول الموت والحب والزواج والخيانة والحقيقة والعدالة والأخلاق والغضب، وافتقاد القانون إلى العاطفة والحس الإنساني “هل يستطيع القانون أن يغضب” أن يغار؟ أن يشعر بمرارة الخيانة؟ أن يمزّقه الملل؟ أن يفهم منطق الخروج عن العادة؟…” (ص 90)، تساؤلات تجسد، بشهادة الناقد صدوق نورالدين، صورة الروائي المثقف الذي لا تنحصر كتاباته الإبداعية في الأيديولوجي كواقع سياسي أو كوجدان، وإنما في الكوني كقضايا تتطلب المزيد من الاهتمام.

11