حيرة المصريين السياسية

الاثنين 2014/11/10

النجاحات التي حققتها مصر على المستوى الخارجي، لا تتناسب مع حجم الشلل السياسي الظاهر على المستوى الداخلي، فقد تمكن الرئيس عبدالفتاح السيسي من إعادة صياغة منظومة العلاقات الخارجية بصورة جيّدة، وأعاد الاعتبار لدورها في كثير من القضايا، على الرغم من ضخامة التحديات، ولعل القمة الثلاثية التي عقدت في القاهرة أمس الأول (السبت) بين مصر واليونان وقبرص، واحدة من العلامات التي تبرهن على ذلك.

وقد اضطرت دول عدة لمراجعة مواقفها السلبية، في حين لا تزال هناك مشكلات جسيمة في الداخل، على مستوى متلازمة الإخوان والإرهاب، وعجز القوى والأحزاب، والمحاولات الدؤوبة لعودة فلول الحزب الوطني (المنحل) كلاعب في الحلبة السياسية، الأمر الذي أصاب قطاعا كبيرا من المصريين بالحيرة والدوار.

الناظر إلى مصر من الخارج خلال الأسبوع الماضي، يشعر أنها تقف على فوهة بركان، جرّاء الأحداث الإرهابية والبشرية التي وقعت في أنحاء متفرقة، لكن المدقق في المشهد، سيعتبر ذلك ضريبة طبيعية، بل ربما يراها بسيطة، مقارنة بحجم الاستهداف الذي يتعرض له النظام المصري حاليا، والمعدل المرتفع للخلل الهيكلي الذي ضرب البلاد على مدار سنوات ماضية، فجماعة الإخوان وأنصارها من المتشددين، لازال رهانهم مرتفعا على العنف والإرهاب، وأنه السبيل الوحيد لتحقيق مكاسب نوعية.

المشكلة أنهم بدأوا مرحلة جديدة لتوسيع نطاقه، بعد أن تمكنت أجهزة الأمن من تضييق الخناق حولهم في سيناء، وهو ما أرخى بظلال قاتمة على تفاؤل المواطنين باقتراب القضاء على الإرهابيين، لذلك بدأت الدولة سلسلة من الإجراءات أخيرا لمحاصرة هؤلاء، ومحاولة طمأنة المصريين، والتخفيف من حدة القلق الذي ساور بعضهم، لأنهم المخزون الشعبي والاستراتيجي لمواجهة الإرهاب بكل عناصره، ومن الضروري أن يظل ثابتا، فإذا نجح الإخوان في هز ثقتهم في قيادتهم، فسوف تكون العواقب وخيمة.

الأجواء السلبية التي أشاعتهـا تطورات الأيام الماضية، لم تكن بمفردهـا التي أغضبـت فئة كبيرة من المصريين، بل زاد عليها حال العجز السياسي، الذي يضـرب غالبيـة القـوى الحزبية، والتي لم تفلح في إثبات أنها قادرة على خوض الانتخابات البرلمانية القادمة، والمنافسة عليها بشراسة، لقطع الطريق على تسرب عناصر من الإخوان إلى مجلس النواب، فكل محاولات تشكيل تكتلات حزبية أخفقت في طمأنة المواطنين بأن لديهم نخبة تدرك الخطر، وقادرة على التصدي له، كما أن عمليات ضخ الدماء، والاستعانة بشخصيات من الأرشيف السياسي، مثل عمرو موسى وكمال الجنزوري، لم تكن كافية لإرسال تطمينات تشي بأن البرلمان القادم سوف يصبح في أياد أمينة.

التشاؤم ازداد ضراوة، عقب تضخم الدور الذي يقوم به أنصار الحزب الوطني الحاكم أيام حسني مبارك، فقد بدأت بعض العناصر القيادية القديمة، تظهر على السطح وتتحرك بمرونة، على أمل السيطرة على مفاتيح الحـل والعقد في البرلمان القادم، مدعومة بكتيبة منظّمة من الإعلاميين، تدافع عنهم، وتتولى مسؤولية الهدم في صفوف قطاع الشباب، الذي لعب دورا مهما في ثورة 25 يناير، تارة باتهامهم، جميعا، بالعمالة لجهات خارجية، وأخرى بالتحالف مع الإخوان، وفي الحالتين النتيجة واحدة، وهي المزيد من الإقصاء لهؤلاء، وإفساح المجال لتقدم فلول الوطني.

انخراط أجهزة الدولة في مكافحة الإرهاب، تحول إلى ميزة نسبية، يحاول استغلالها الفلول، لمزيد من التغلغل السياسي والاقتصادي. ففي خضم ضعف البنيان العام للقوى الحزبية، بدأت عناصر الحزب الوطني المنحل تستغل الفرصة، وتنظم صفوفها، وترتّب أوراقها، والظهور الطاغي أحيانا لهم، بعث برسائل خاطئة، حيث تصور كثير من المواطنين أن نظام السيسي يبارك هذه العودة، غير أن المعلومات المتوافرة لكاتب المقال، تؤكد العكس تماما، حيث تحولوا إلى عبء سياسي كبير على كاهل الرئيس، بدليل أنه جرى تحذير أحمد عز، مسؤول التنظيم في الحزب الوطني، والتنبيه عليه بعدم الظهور أو عقد اجتماعات انتخابية، خاصة أن تجاوزاته لا تزال منظورة أمام القضاء، لكن المسألة أكبر من ذلك بكثير، حيث يستفيد فلول الحزب الوطني من نقطتين مهمتين.

الأولى؛ الفراغ والعجز الذي يخيّم على معظم الأحزاب السياسية حاليا، وهو ما يتيح الفرصة للفلول للتقدم على حساب القوى التي عارضت نظام مبارك، بذريعة سد المنافذ على عناصر الإخوان.

الثانية محاولة تكرار التجربة التونسية، التي حققت نجاحات كبيرة في مواجهة حزب النهضة، وأعادت إلى الواجهة شخصيات، كانت محسوبة على الرئيسين، زين العابدين بن علي، والحبيب بورقيبة، ووفقا لهذا السيناريو من الممكن أن يصبح فلول الوطني ظهيرا سياسيا قويا للسيسي، مع أنه أعلن أنه رئيس لكل المصريين، من هنا يشعر بعض المواطنين بعدم الارتياح، لأنهم يتخوفون من إعادة إنتاج أفراد كانوا نافذين في نظام مبارك، بالرضا عن تصوراتهم أو الصمت عن تصرفاتهم.

الحيرة لدى المصريين تتوالى، وبدأت نسمات التفاؤل التي سادت، عقب تمكن الرئيس السيسي من عبور النفق المظلم، تتراجع، ليس خوفا من الإخوان والإرهاب، فهذه قضية محسوم القضاء عليها قريبا، ثقة في جهاز الأمن المصري، لكن خوفا من تشكيل برلمان يهيمن عليه أصحاب المصالح السياسية والاقتصادية، وفي ظل الصلاحيات الكبيرة المخولة لمجلس النواب القادم، تصبح حيرة المصريين مضاعفة، لأن رهانهم على استكمال النجاح الذي حققه الرئيس السيسي على المستويين، الداخلي والخارجي، سوف يكون معلقا في رقبة هؤلاء، ومدى تعاونهم معه بجدية.


كاتب مصري

8