حيص بيص

ما يزيد من حدة الألم وشدة البؤس، أن الديمقراطية لم تجلب لشعوبنا سوى الفقر والمرض والجوع والمديونية والقلق على المستقبل.
الخميس 2021/02/04
الحقيقة جليّة

يقال إنّ أبا الفوارس سعد بن محمد بن سعد بن الصيفي التميمي الملقب شهاب الدين، وهو شاعر وفقيه عاش ببغداد ما بين العامين 1098 و1179 م، خرج ذات يوم إلى وسط المدينة فرأى الناس قد اكتظت والحركة قد اضطربت، وكأن بلاء عظيما حلّ بالجمع، فسأل “ما للناس في حيص بيص”؟ فاستغرب سامعوه من تلك الجملة التي لم يعتادوا عليها سابقا، فأكد على تفرده بها في بيت من الشعر “وإني سوف أرفَعكم بيأس وإن طال المدى في حَيْص بيص” فترددت بين الناس، وأصبح أبوالفوارس معروفا بها، حتى صار يسمى بسعد حيص بيص.

وجاء في لسان العرب: حاص القومُ أي جالوا جولةً يطلبون الفرارَ والمهربَ، أي نكصوا على أعقابهم، جعلْتُمْ عليه الأَرضَ حَيْصَ بَيْصَ أَي ضيَّقْتم عليه. والبيص عند ابن الأَعرابي هو الضيق والشدة، ويقال: جَعلتم الأرضَ عليه حَيْصَ بَيْصَ وحَيْصاً بَيْصاً أي ضَيَّقْتُم عليه حتى لا يَتَصَرَّفُ فيه.

والواقع أن حالنا حيص بيص، وخاصة في ظل الديمقراطيات العربية التي تنعت بالناشئة، فقد جاءنا هواة السياسة والساعون إلى الحكم بلا كفاءة، ومن كانوا يجلسون على أرصفة الشوارع في الدول الغربية، ومن كانوا يعيشون على الصدقات والمساعدات والتبرعات، ليحكموا دولا ويتحكموا في مصائر شعوب، وحولهم الفوضويون والمشعوذون واللاعبون بالبيضة والحجر، والآكلون من كل الموائد، لينظموا أكبر مهرجان للنهب الديمقراطي الليبرالي التقدمي الإسلامي، باستعراض مذهل للمواهب والطاقات بين هتافات التكبير الرائجة كخلفية للمشهد المنقول عبر شاشات تلفزيون الواقع.

وربما ما نراه في ديمقراطية العراق ولبنان وليبيا وتونس، كاف ليضعنا أمام الحقيقة، فالجامع بين الديمقراطيات الأربع هو النهب والسلب وإهدار المال العام وتبديد الثروات، مع رفع شعارات الحرية والسيادة الوطنية والتعددية الحزبية والإعلامية والاستحقاقات الانتخابية وفق الآلية الدستورية والمواقف القوية ضد التدخلات الأجنبية، بينما في الواقع لا شيء سوى تجميد النصوص وتسمين اللصوص والدفع بالشعوب المسكينة إلى حالة الحيص بيص.

وما يزيد من حدة الألم وشدة البؤس، أن الديمقراطية لم تجلب لشعوبنا سوى الفقر والمرض والجوع والمديونية والقلق على المستقبل، بعد أن ذهبت أموال خزائنها إلى جيوب النهّابين المرموقين وأحزاب المتدينين الزائفين وشبكات المقامرين والمغامرين وضاعت ثرواتها تحت أقدام المراهقين السياسيين والديمقراطيين المزيفين، حتى أصبح المواطن، يردد مع أمية بن أبي عائذ الهذلي “قد كنت خرّاجا ولوجا صيرفا.. لم تلتحصني حيص بيص لحاصِ”.

24