حيلة التخويف من تغول الرئيس تنتفي أمام تغول الإرهاب

الجمعة 2014/11/21

تدخل تونس اليوم فترة صمتها الانتخابي، قبل 48 ساعة من إجراء أوّل انتخابات رئاسية حرة ومباشرة في تاريخها الحديث. انتخابات تميّزت هذه المرّة بتعدّدية حقيقية وحملات دعائية حامية الوطيس، جاب فيها أغلب المترشحين الـ 27 الذين قُبلت ملفاتهم لخوض هذا الاستحقاق ربوع البلاد شمالها وجنوبها، لطرح بدائلهم والتعريف ببرامجهم التي يرى مراقبون أنها استنسخت بعضها البعض، ولم يتفرّد أحدها بما يميزه عن برامج الآخرين.

المعركة من ثمّة لم تكن قائمة على البرامج، بإجماع عدد من المراقبين، بقدر ما كانت منوطة بطبيعة الشخص الذي ارتسم في الذهنية العامة لمجمل التونسيين الذين ذاقوا ذرعا بحالة التقهقر التي أصابت مؤسسات دولتهم على مدى السنوات الثلاث الماضية (زمن حكم الإسلاميّين للبلاد).

الثابت في المعادلة التونسيّة، وبعد أن خطّت النخب السياسية دستورا جديدا للبلاد وزّع الصلاحيات بين رأسي السلطة التنفيذية (رئيسا الحكومة والجمهورية) وجعلهما تحت رقابة مباشرة من مجلس الشعب، أنّ الانتخابات التشريعية التي فاز بها العلمانيون على حساب الإسلاميين، مؤخرا، هي الأهمّ مقارنة بالرئاسية المقبلة، لأنّ سلطات رئيس الجمهورية أضحت محدودة على خلاف ما كانت عليه الحال زمن الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي الذي كان يحتكر كلّ السلطات لنفسه، غير أنّ مخيال التونسيين مازال يحصر النفوذ في شخص الرئيس “القوي”، ويبدو أنّ أغلب المترشحين كذلك يسيرون وفق هذا الهدي.

وفي هذا السياق، يرى مراقبون أنّ هذا التصور لشخصية رئيس الجمهورية المقبل لا يعتبر مغلوطا ولا ينمّ عن قصر في الفهم، وهو الذي يكسب الانتخابات الرئاسية أهمية كبرى، لأسباب عدّة يمكن تلخيصها في سببين رئيسيّين وفق جدلية المهم والأهم؛

فالمهم متعلّق بأنّ انتخاب رئيس بصفة مباشرة من الشعب سيضفي على هذا المنصب شرعية أوسع من تلك التي تمتع بها الرئيس المنصف المرزوقي المنتهية ولايته، الذي وقع انتخابه من طرف نواب المجلس التأسيسي في إطار محاصصة حزبية صارت بينه وبين حركة النهضة وحزب التكتل غداة انتخابات الـ 23 من أكتوبر2011، فآثر إرضاء حلفائه من أجل الحفظ على كرسي السلطة على حساب قيامه بالواجبات التي يفرضها عليه منصبه خاصة في المجال الأمني.

أمّا الأهمّ فأساسه أنّ صلاحيات الرئيس التي يراها البعض ضعيفة ومحدودة، هي في حقيقة الأمر ليست بهذه الصورة الهزيلة، بل هي مرتبطة بشخصية صاحب المنصب والقرار. ففترة حكم الرئيس المنتهية ولايته هي التي أسهمت بالدور الأوّل في سريان هذا الانطباع، الذي نتج عن فشله في تفعيل صلاحياته، لارتهانه منذ البداية إلى أوامر من زكّاه وعيّنه في هذا المنصب (حركة النهضة الإسلامية). ولهذا السبب يبدو أنّ وعيا جديدا تشكل لدى مجمل التونسيين، بعد تجربة الحكم الأخيرة، يفيد بـ؛ أنّ الرئيس هو من يوسّع دور صلاحياته وليست الصلاحيات هي التي تحدّ من دوره.

من هذا المنطلق، أضحت الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها يوم الأحد المقبل تكتسي أهمية كبرى لدى عموم الناخبين، خاصّة مع توقعات الإقبال الكبير، الذي أفادت إحصائيات أخيرة بأنّ نسبته ستتجاوز نظيرتها التي سُجّلت في تشريعية الـ26 من أكتوبر الماضي.

في سياق متّصل، لم يعد هنالك شكّ في أنّ الضمانات الدستورية الجديدة أضحت تحفظ الحدّ الأدنى الديمقراطي في تونس اليوم، وهو ما من شأنه أن يحول دون ما يسميه البعض بـ”تغوّل” الرئيس أو أحد الأطراف السياسية على حساب الآخرين واستئثاره بالسلطة إذا ما جمع بين الأغلبية البرلمانية ورئاسة الجمهورية.

هنا بالتحديد تتهاوى حجج المعتمدين على هذه “الفزّاعة”، والتي يعمدون من خلال ترويجها إلى التقليل من فرص الباجي قائد السبسي (صاحب الحظوظ الأوفر للفوز بمنصب الرئيس) زعيم حزب نداء تونس صاحب الأغلبية البرلمانية. غير أنّ هذه “الحيلة” التي تعتمد على “التخويف” أساسا، لم تنطل على التونسيين الذين يخيفهم حقّا، بالمقابل، تواصل حالة الترهّل الأمني التي تعيشها البلاد منذ ثلاث سنوات والتي وجد فيها الإرهابيون مراحا خصبا لضرب أمن البلاد والحؤول دون استقرارها المأمول، وهو ما يستوجب انتخاب رئيس قادر على تفعيل صلاحياته، خاصة تلك المتعلقة بالجانب الأمني، لإعادة الطمأنينة إلى عموم التونسيين،فحيلة التخويف من تغوّل الرئيس تنتفي أمام تغوّل الإرهاب.

هكذا بان بالكاشف، وفق ذات المراقبين، أنّ الانتخابات الرئاسية التونسية لم تكتسب أهميتها من قلّة وعي التونسيين وفهمهم الخاطئ لطبيعة منصب الرئيس، شأن ما يروج له البعض، بل هي نابعة بالأساس من وعي مضاعف لديهم أساسه اعتبار من تجربة “فشل” سابقة كان لرئيس الجمهورية (المرزوقي) فيها أن يقوم بدور محوري في مجابهة الأخطار التي كادت تعصف بالمسار الانتقالي العسير، لولا “تخاذله” في ذلك، وفق رأيهم. فـ”العيب” ليس في منصب الرئاسة ولا في صلاحيات الرئيس لا محالة بل هو متعلّق بقدرة مالئ ذلك المنصب على أخذ القرارات والمضي في تفعيل تلك الصلاحيات. وهي ببساطة ميزة الرئيس الجديد الذي يبحث عنه التونسيون، والذي ستعلن عنه صناديق الاقتراع قريبا، رغم أنّ هويته باتت معروفة لدى عدد من المتابعين، الذين يقولون إنّه الباجي قائد السبسي لا محالة، لأنّ الوضع لم يعد يحتمل مزيدا من المغامرة والتشويق من جهة، ولما يتمتع به الرجل من خبرة وصرامة في إدارة شؤون الدولة وما يحوزه من ثقة لدى قطاع واسع من الشعب التونسي من جهة أخرى.


كاتب صحفي تونسي

6