حينما تتحول الجامعة إلى جامع

الثلاثاء 2013/08/27

لا يعرف أحد ما مدى تهافت مقولة "الجامعة جسر إلى التحرر الفكري" في الثقافة العربية والمجتمعات العربية والإسلامية إذا قارنا ذلك مع مستوى التعليم المنهار وتفشي الأمية والفقر، وبالتأكيد مع الاحتقان السياسي المزمن في الكثير من الدول العربية.

على الأرجح يوفر التطور الاقتصادي والاستقرار السياسي والحرية والأمن، مناخاً مريحاً لجعل الجامعة بؤرة لتخرج أجيال مثقفة ثقافة إنسانية قبل أن تكون مثقفة ثقافة علمية لأن الثقافة الإنسانية الشاملة هي الهدف الأبعد لكل جامعة وكل مجتمع معافى. ما يحدث اليوم في الجامعات العراقية يثير الفزع ويبشّر بمجتمع طائفي غيبي ريفي وقابل للانفجار في أية لحظة، والنتائج المترتبة على ذلك ستكون وخيمة إن لم يلتفت إليها أصحاب العقول السليمة. ما يحدث في هذه الجامعات هو بالضبط عكس ما تطمح إليه أية جامعة في أي مكان في العالم، فرفع لافتة في الحرم الجامعي تشيد بالحجاب والمحجبات مع صورة لفتاة محجبة مقابل صورة أخرى لفتاة بلا حجاب وتعليق يوحي بأن الأخيرة بلا أخلاق، أمر لم يحدث حتى في العصور المظلمة. تكرم الطالبة الجامعية فقط لأنها ترفض أن تخلع عباءتها حتى في قاعة الدرس وتحصل على رضا العميد ورئيس الجامعة وربما عشر درجات على المعدل العام في نهاية السنة الدراسية.

في مقابل ذلك تعامل الطالبات الأخريات من اللواتي لا يرتدين الحجاب أو العباءة بنوع من قلة الاحترام فيصير ارتداء الحجاب بالنسبة إليهن أمرا مفروضاً حتى لو كن من غير المسلمات.

تمتلئ جدران الجامعات العراقية باللافتات أثناء المناسبات الدينية حتى تبدو للناظر وكأنها جوامع ويتحول الأساتذة والطلبة إلى قطيع هائج من المنافقين والمتزلفين والطائفيين من أصحاب اللحى والخواتم والمسابح السود الطويلة، وبدلاً من الدرس والذهاب إلى المختبر، تتحول الجامعة إلى منبر للمواعظ والقصص الغيبية.

مقولة "الجامعة جسر إلى التحرر الفكري" هنا تنقلب رأساً على عقب في الجامعات العراقية وتتحول إلى قيد وشرط ولون وأحد وفكر جامد، وبالتالي تخرّج طلبة مقفلين سيقومون بدورهم بنقل هذه القيود والشروط واللون الواحد إلى أطفال المدارس، وتكون النتيجة مجتمعاً محجباً من الإناث والذكور.

هذا في الظروف العادية حين لا تكون هناك احترابات طائفية ولا تفجيرات إرهابية ولا احتقان سياسي ولا صراع على السلطة، فكيف يمكن أن تكون الجامعة وهي تعمل تحت كل هذه الظروف النفسية المدمرة؟

جردة حساب بسيطة تجعلنا نقول إن عشر سنوات من هذه التربية قادرة على تجفيف أي بذرة من التحرر، بل كفيلة بإنتاج قنابل موقوتة قد تنفجر في أية لحظة وفي أي مكان، ولنا أن نتخيل ماذا سيحدث لو عاد الاحتراب مرة أخرى، خصوصا أن هناك جهات خارجية تفعل المستحيل من أجل إبقاء جذوته مشتعلة.

جامعة بابل في مدينة الحلّة لم تكتف بكل ذلك، فقد أجرت مسابقة غريبة من نوعها بين الكليات للفوز بأكبر عدد من الطالبات اللواتي لا يخلعن عباءاتهن حتى في قاعة الدرس.

17