حينما يتحول الممثل إلى دمية طيعة بيد مخرج مستبد

الخميس 2013/07/25
أفكار شكلانية محملة بدلالات ورموز مبدعها ومجسدها

لا شك في أن دور الممثل المسرحي كان مهيمناً على مدى قرون طويلة، وربما لا يوازيه شيء في أهميته سوى النص المكتوب الذي ظل بمنأى عن التجاوز والخرق والانتهاك حتى إطلالة القرن العشرين، حينما ظهر عدد من المخرجين المسرحيين في مختلف أنحاء العالم يميلون إلى تضييق الخناق على نجومية الممثلين أمثال المخرج إدوارد غوردن غريغ وفيسفولد مايرهولد وجاك ليكوك وغيرهم من المخرجين الذين وجدوا ضالتهم في كل ما هو موجود على خشبة المسرح وفضائه المكاني الواسع الذي يتيح استثمار سينوغرافيا العرض والمؤثرات الصوتية والبصرية التي يمكن أن تنافس الممثل، وتسرق منه الأنظار.

السؤال الذي يتبادر إلى الأذهان دائماً هنا هو: هل يمكن الاستغناء عن الممثل كلياً؟ أم أن دوره ينحسر تبعاً لاهتمام المخرج بالسينوغرافيا أو البانتومايم أو حركة الجسد، أكثر من اعتماده على الممثل من جهة والنص من جهة ثانية؟ وهناك جهة ثالثة توازن ما بين الممثل والنص وسينوغرافيا العرض برمتها بما فيها المؤثرات السمعية والبصرية.

الممثل الدمية

للتقليل من أهمية الممثل ودوره فقد لجأ كوردون غريغ إلى تعزيز نظرية «الممثل الدمية»، بعد أن نبذ فكرة الممثل الواقعي الذي يستجيب لطرق التقمص التقليدية في الفن، وقد رأى في هذا النمط تقليداً ومحاكاة فجة للأساليب القديمة التي عفا عليها الزمن، لذلك دعا إلى استعمال الأقنعة والدمى والعرائس التي تحل محل الممثل النجم، بل أنه «طالب الممثلين أيضاً بأن يكونوا نسخاً إيجابية من هذه الأشكال اللُعبية الهادفة، كما أمرهم بطاعة المخرج ولو كان ديكتاتورياً»، وهو ما ذهب إليه الناقد الدكتور جميل حمداوي. وهذه الإزاحة المتعمدة قد تُحسب لمصلحة المخرج أولاً ولكل العناصر السينوغرافية الموجودة على خشبة المسرح. وفي السياق ذاته يمكننا الاستشهاد بما ذهب إليه فيسفولد مايرهولد في نظريته البيوميكانيكية التي تعتبر الممثل كائناً آلياً قابلاً للتطويع، حيث يؤدي ما يُسند إليه من الأدوار المسرحية البانتومايمية أوالآلية التي تحاكي حركات الآلة لتجسّد أفكاره الشكلانية المحملة بدلالات ورموز كثيرة. ربما يكون السؤال الأكثر أهمية هنا هو: كيف يطوّع الممثل المُعتمد على التقنية البيوميكانيكية حالته النفسية لكي تنسجم مع وضعيته البدنية المتخذة شكلاً آلياً، تحقق بالنتيجة نوعاً من الشدّ والاستثارة المطلوبة التي تجذب المتلقين وتضعهم في دائرة التفاعل معه، بوصفه الشخصية المهيمنة حتى هذه اللحظة وإن حوّله المخرج إلى إنسان آلي أو شبيه به في الأقل؟

كائن احتفالي

لم يلجأ أنتونين آرتو إلى تحيّيد دور الممثل ولكنه حوّله إلى كائن احتفالي متحرك يتماهى مع التنغيم، ويتساوق مع إيقاعاته في محاولة جدية للاقتصاد بالحوار، والتقشِّف في الكلام إلى أقصى حدٍ ممكن مستعيضاً عنه بالحركة والإيماء والرقص الكوريوغرافي، والأداء التعبيري، ولغة الجسد التي تصل إلى أعلى درجات التوهج والتجلي اللذين يمكن أن يلامسا شغاف المتلقي عبر خطابهما البصري المعبِّر. من المفيد هنا أن نشير إلى دعوة أدولف آبيّا إلى زيادة العلامات المسرحية وتغليبها على دور الممثل المسرحي، فهذه العلامات وغيرها من العناصر السينوغرافية تُسهم في «تقليص دور الممثل إلى دور متحرك لصورة المسرح بإخراج المسرحية إيقاعياً، ذلك لأن اهتمامه الرئيسي كان منصبا على الموسيقى والمسرح الغنائي»، كما يقول جون رسل تايلر في الجزء الأول من موسوعته المسرحية، أي أن الموسيقى والغناء والرقص الكوريوغرافي وكل ما يجري على خشبة المسرح يشدّ انتباه المتلقين ويحقق لهم جزءا كبيرا من المتعة والفائدة الضمنية المحجوبة التي قد تظهر نتائجها لاحقاً. وعلى الرغم من هذه الإنتقالة الكبيرة من الممثل إلى سينوغرافيا العرض والمؤثرات الصوتية والبصرية، إلاّ أن هناك حركات مسرحية مهمة قد أعادت للممثل هيبته المفقودة، كما في مسرح العبث واللاجدوى الذي مثله نخبة من المسرحيين العالميين أمثال صموئيل بيكيت وجان جينيه وهارولد بنتر وفرديناند آرابال وفاسلاف هافل وإداوارد ألبي وغيرهم الكثير، وأحببنا هنا أن نتوقف عند مسرحية «في انتظار غودو» لصموئيل بيكيت التي تعتمد تقنية المسرح الفقير بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، فثمة أربع شخصيات رئيسة وهم فلاديمير وأستراغون اللذان ينتظران غودو، إضافة إلى بوزو وليكي وهم جميعاً لا يقولون إلاّ أشياء مبتسرة في فضاء فقير ليس فيه سوى شجرة خالية من الأوراق تدلل على الجفاف والموت المؤقت في أضعف الأحوال، أما الشخصيتان الثانويتان فوجودهما رمزي أكثر منه واقعي لأن الثيمة الرئيسة لهذه المسرحية لا تخرج عن إطار الهيمنة النصية الواحدة التي تقول: «لا شيء يحدث، لا أحد يأتي، لا أحد يذهب، إنه لأمر فظيع». لقد تحملت هذه الشخصيات الأربع أكثر من طاقتها بكثير لأنها أفصحت عن أشياء كثيرة بكلام قليل جداً، لكنها استطاعت أن تشد الجمهور إليها وتستحوذ عليه. إن ما يثير الانتباه هنا في هذا النص المسرحي الذي جُسِّد عشرات المرات على خشبات المسارح العالمية أن كاتب النص ومخرجه، قد أكدا على أهمية الخطاب البصري بعيداً عن النص ودور الممثل الذي يبدو أنه قد تحوّل إلى مجرد دمية لا بدّ لها أن تطيع المخرج حتى وإن كان دكتاتوراً مستبدا.

16