حينما يظهر شبح فان غوخ في كوابيس العقيد

"ليلة الريّس الأخيرة" محنة الدكتاتور كإنسان مطارد ومهزوم يصرّ على أنه الشخص الإله الذي لا يخطئ حتى آخر لحظة في حياته.
الخميس 2018/08/09
آكلو البطاطا لوحة فان غوخ التي أرقت القذافي

من الكتاب العرب القليلين الذين كتبوا شخصية الدكتاتور، الكاتب الجزائري محمد مولسهول، وهو ممن يكتبون بالفرنسية، وربما لا نعرفه بهذا الاسم لأنه يستعير اسم زوجته ليظهر على أغلفة كتبه باسم "ياسمينة خضرا"، فهو ضابط سابق بالجيش الجزائري، ولكن كما ابتعدت كتابته عن اللغة العربية ابتعدت رواياته عن الجزائر فكتب عن "سنونوات كابول" و"صفارات إنذار بغداد" و"ليس لهافانا رب يحميها" و"ليلة الريّس الأخيرة" التي يتناول فيها شخصية معمر القذافي.

الليلة الأخيرة

ربما كانت عبارة “زنجا زنجا” بما أثارته من سخرية آخر ما بثته وكالات الأنباء بصوت العقيد معمر القذافي، كان وقع الكلمة المكررة يجسد بؤس المشهد الختامي لرجل حكم ليبيا لاثنين وأربعين عاما انتهت بقتله، لكن ياسمينة خضرا يستحضر روحه بعد الاغتيال، ليمنحه فرصة ما بعد الأخيرة للكلام، فماذا يقول؟

الرواية، التي ترجمها أنطوان سركيس وصدرت عن دار الساقي ببيروت، تقتنص القذافي قبل أن يقع في قبضة من يطاردونه، ترصده في مخبئه بقبو مدرسة مهجورة في مدينة سرت، في ليلة 19/20 أكتوبر 2011، يضعه الروائي أمام مرآة نفسه فيهذي كثيرا، ويستعيد كلاما يؤكد على ثقته في تحقيق النصر واستعادة مكانته رغم كل ما تحمله اللحظة من بؤس يراه العقيد مجرد وسيلة للتطهر، يقول لنفسه ولمن بقي من رجاله عبر مونولوج طويل “ليقذفوني بصواريخهم جميعها، فلن أرى فيها سوى ألعاب نارية احتفاء بي. ليدكّوا الجبال، فلن ألمح في ركامها سوى صخب صيحات الجماهير الهادرة حولي، ليطلقوا على ملائكتي الحارسة كل شياطينهم القديمة، فما من قوة شريرة ستثنيني عن رسالتي. فقد كان مكتوبا، حتى قبل أن تستقبلني قرية قصر أبوهادي بين أحضانها، أنني سأكون ذلك الذي سيثأر للإساءات في حق الشعوب المضطهدة عبر إخضاع الشيطان وأتباعه”.

ما من تفسير لكابوس ظهور شبح فان غوخ يطارد العقيد بمعطفه الأخضر وبضمادته التي تغطي الأذن المقطوعة
 

وهو كأي طاغية لا يلوم نفسه، حتى وإن صارحه منصور ضوّ قائد الحرس الشعبي، ففي لحظة انهيار يلطمه بقولة حق “المجازر والتخريب في الخارج ليست نتيجة سحر أسود ألقي علينا، بل نتيجة هذياننا وشططنا”.

لكنه لا يستطيع أن يرى نفسه مخطئا، يحذر منصور من أنه قد ينتزع لسانه بكماشة، ثم يعود لمناجاة نفسه “الحياة بالغة التعقيد وبالغة الفظاظة، منذ أشهر معدودة، كان الغرب، ومن دون أي شعور بالعار، يفرش دربي بالمخمل، ويستقبلني بكل مظاهر الشرف، ويطرز كتفيّ كعقيد بأكاليل الغار، سمحوا لي بنصب خيمتي على مروج باريس الخضراء، وهم يضربون صِفحا عن فظاظتي ويغضون الطرف عن فظاعاتي، واليوم يحاصرونني على الأرض كفارّ من إصلاحية”.

ثم يعود ليتقمص شخصية الحكيم مفلسفا الموقف “في يوم تكون معبودا وفي يوم آخر تكون منبوذا، في يوم تكون أنت الصياد، وفي يوم آخر الطريدة”.

شبح فان غوخ

دكتاتور بأذن واحدة لا يصغي إلى لصوته
دكتاتور بأذن واحدة لا يصغي إلى لصوته

يعتمد ياسمينة خضرا كثيرا على تقنية الفلاش باك، ليستعيد الراوي (معمر القذافي) ذكرياته، التي لم تبق له في لحظاته الأخيرة سواها، فيستعيد وقائع طفولته وصباه، ويتحسس جرحه كثيرا، فتطفح ذكريات طفولة بائسة، حيث يجد ابن الفقراء نفسه مثارا لسخرية الآخرين الذين يزيدون فيطعنون في نسبه، ينادونه “ابن الزنا”، فهم لا يعرفون له أبا، يهرب بذكرياته إلى أيام السفر إلى بريطانيا، ثم يعود إلى الهذيان ليمسح مرارة الذكريات الأليمة، “أنا فقط، أبو الثورة، والابن المبارك لعشيرة الغوص القادم من صحرائه ليزرع الطمأنينة في القلوب والأفكار”.

ولأن جرح النسب غائر، يتهرب منه مستدعيا الخال في أول الرواية ”حينما كنت صغيرا كان خالي يصطحبني أحيانا إلى الصحراء” فلما ينام الخال ”كنت أشعر بنفسي وحيدا وسط هذا العالم”، والأم في آخر الرواية تدعوه عبر السراب وتعيد عليه نصائحها التي يفهم مغزاها بعد فوات الأوان.

يتناسى الأب مصدر الألم، فقط الأم والخال وفان غوخ الذي يزوره كثيرا في أحلامه، وقد افتتن بلوحته “آكلو البطاطا” حينما رآها في كتاب، “ظلت محفورة في ثنايا عقلي الباطن، وكالعميل المتخفي كانت كل مرة يلوح في الأفق حدث جلل تعود لتنغص عليّ رقادي”، يلجأ إلى مفسري الأحلام لكن دون جدوى، فليست ثمة علاقة بينه وبين فان غوخ إلا في بؤس طفولتهما، لكنه مقتنع بأن هناك تفسيرا ما لظهور شبح فان غوخ له يطارده في الكوابيس بمعطفه الأخضر وبضمادته التي تغطى الأذن المقطوعة. الشبح الذي لازمه ليلة الفاتح من سبتمبر 1969، عاوده في أغسطس 1975 محذرا من تآمر اثنين من الأصدقاء “فيقضي على محاولة الانقلاب كمن يفقأ دمّلا”.

يبوح الراوي “كل مرة يخطر فيها الرسام الملعون في بالي، يضيف التاريخ مدماكا إلى صرحي”، فيتساءل إن كان لون كتابه وعلمه من وحي معطف فان غوخ الأخضر.

وفي النهاية حينما يلومه طيف الأم “أنت لا تسمع إلا بأذن واحدة، تلك التي تنصت بها طوعا إلى شياطينك”، حينها يفهم سر ظهور فان غوخ له بأذنه المقطوعة، لكن وبحسب الجملة الأخيرة، كان الأوان قد فات.

وأخيرا فالرواية نجحت في ملامسة محنة القذافي كإنسان مطارد مهزوم، فقد السلطة التي كانت مطلقة وعلى وشك أن يفقد حياته، وهو كطاغية يلوم الجميع ويرى نفسه فريسة غدر أو ضحية قدر غاشم، لكن لا يمكنها الصمود في مقارنة مع أي من الروايات الشهيرة التي تناولت شخصية الدكتاتور، فالكاتب الذي أبدع في صوغ ذكريات العقيد، فاته الالتفات إلى المكان وتفاصيله وبشره، فضيّع على روايته فرصة تصوير أثر أربعة عقود من حكم القذافي على بلده وشعبه، كذلك فالحوار الذي يملأ صفحات الرواية ورد في حالات كثيرة لمجرد ذكر معلومات متاحة سلفا في العديد من الكتب التي تناولت حياة وحكم القذافي، وبدا في بعض الأحيان كثرثرة لا يمكن أن تحدث بين رجال مطاردين.

14