حين افتقد قرطاج الصيفي السينما، فقد البوصلة

ما افتقده قرطاج منذ أزيد من سبع عجاف من الفن السابع، أفقد فينا الدهشة، دهشة سحر السينما وافتتاننا بها وبالفضاء الحاضن لها معا
السبت 2019/08/10
“عمارة يعقوبيان” صنع الحدث في قرطاج 2006

نحن من جيل، عايش مهرجان قرطاج الدولي (الصيفي) الذي له من العمر اليوم 55 عاما بالتمام وبعض الكمال أحيانا ودونه في أحيان أخرى.

نحن من جيل، خبر وتمرّس وعرف كلّ شبر من مُدرّجات المسرح الروماني العريق وكل حجر فيه وزاوية، علاوة على كواليسه وشارة بدايته الرسمية التي يعود لحنها إلى سترواش، تلك المقطوعة الأوبرالية الخارقة التي باتت نشيدا رسميا للمهرجان، تسبق بداية كل عرض، فتجعل الآذان ترقص هيبة والأعين تتأهّب مُشنّفة أهدابها لما سيأتيها من جديد.

وأنا واحد من ذاك الجيل، الذي واكب جلّ عروض قرطاج الغنائية والراقصة، الدولية منها والعربية وأيضا التونسية، وذلك على امتداد أزيد من عقدين من الزمن.

أنا من جيل، عشق المهرجان حتى الدُمّل، وناكف وعافر وتصدّى بكل ما حباه به الله من صبر ومُصابرة مع بداية الألفية الثالثة على الهجمة “الروتانية” التي اكتسحت قرطاج وعبثت بهيبته وهبته، فقرطاج كان ولا يزال في نظري “هبة تونس”.

قوبلت بالصدّ، طبعا، وخسرت العديد من الأصدقاء الذين تحوّلوا إلى أعداء بقُدرة مصالح مادية عابرة، فحينها من لم يكن “روتانيّا”، لا يدخلنّ علينا، أو بعبارة أدق، عليهم!

أنا من جيل، سمع صوت خوليو إغليسياس وطرب لفرنسيته الهجينة، وتراقصت أنامله وكأنه يلعب على البيانو مكان ياني وهو يداعب لوحاته، وعرف “شمس الأغنية العربية”، نجوى كرم، قبل أن يبزغ نجمها أصلا، وقلت في نفسي “هذا الصوت سيكون له شأن”، وكان.

أنا من جيل، غنّى مع إيروس رامادزوتي “أونا ستوريا انبورتنتي” (حكاية مهمة)، فعشت قصتي الخاصة مع الأنغام الإيطالية الفارقة التي تعوّدنا مُشاهدتها على “الراي أونو” حين كانت لدينا قناة تونسية واحدة وأخرى إيطالية وثالثة فرنسية، وكفى.

“عمارة يعقوبيان” صنع الحدث في قرطاج 2006

أنا من جيل، تقاسم مع الراحل شارل أزنافور بوهيميّته الباذخة وقارا وهيبة وأنفة، وعرفت كاظم الساهر يافعا وهو يُغني “نزلت للبحر تتشمّس الحلوة” فكان لونه العراقي بلسما لمُدرّجات قرطاج المُتاخمة للبحر الأبيض المتوسط.

أنا من جيل، أحب صوت الراحل وديع الصافي وهو يغني “الله يرضى عليك يا ابني” فكنت أجيبه في سرّي “ولو”.. “يا عيون بابا”، أنا من جيل سمع “كلمات ليست كالكلمات” من ماجدة الرومي، ووقف خاشعا “بين قمري” الراحل ملحم بركات والباقي أبدا صباح فخري بفخره وافتخاره بحلب وقدودها ومائها العذب كعذوبة صوته الشفيف. أنا من جيل، صدح “اسمعوني” مع الراحلة وردة الجزائرية، وقال “العين إلّي ما تشوفكشي” مع لطفي بوشناق وميشلين خليفة، ورقص على إيقاعات جان ميشال جار وأضوائه، وركب صهوة الخيال مع آهات أمينة فاخت وقوة صوت صوفية صادق ودلال نبيهة كراولي وأناقة عدنان الشواشي وعذوبة موّال صابر الرباعي.

أنا من جيل، طرب ورقص على أنغام البلوز والجاز والريغي والغوسبال.. كما استمتع بالعروض الدولية التي كانت تأتي من أقاصي الأرض ضمن اتفاقيات التعاون الدولي بين تونس وبلدان العالم على المستوى الثقافي.

أنا من جيل، شاهد أولى العروض المسرحية المُقدّمة خصيصا لافتتاحات قرطاج، عروض بأسماء لامعة وأفكار رائدة، تستعيد الماضي لتُورّثه فنا وجمالا للأجيال اللاحقة.

أنا من جيل، واكب كبرى العروض السينمائية التي كانت تُؤثّث قرطاج الصيفي “بعد زحمة صيف” الرقص والغناء.

وهنا مربط الأسف، فما افتقده قرطاج منذ أزيد من سبع عجاف من الفن السابع، أفقد فينا الدهشة، دهشة سحر السينما وافتتاننا بها وبالفضاء الحاضن لها معا. فأن تُشاهد “عمارة يعقوبيان” أو “أفاتار” أو “الأسد الملك” وغيرها من الأفلام العربية والعالمية السامقة وأنت في حضرة “قرط حدشت” (المدينة الجديدة) بالمعنى الفينيقي للكلمة، فهذا أمر مُدهش، مُبهر وسحري في زمن افتقدنا فيه الدهشة والإبهار والسحر بعد اقتحام الفضائيات التلفزيونية بيوتنا الطروب، أو التي كانت طروبا، فما عاد صوت أي فنّان مهما علا موّاله يُنشينا، وما عادت تُرقصنا إيقاعات الفلامنغو ولا السالسا ولا التانغو، ولا حتى “الوحدة ونص”، فالكلّ مُتاح مُباح بضغطة زر من “الريموت كونترول” أو عبر تصفّح بسيط في الشبكة العنكبوتية.

الوحيد الذي بقي مُبهرا، ساحرا ولذيذا، هو الفن السابع الذي يُسافر بنا إلى رحاب السماء الواسعة في حضرة آلهة الخصوبة والسماء وحامية المدينة الجديدة، “تانيت” قرطاج، المُتخلّية عن عرشها، أو بالأحرى المُتخلّى عنها، فسقط قرطاج في الرتابة بعروضه التجارية وبرمجته الاستهلاكية السريعة وخياله البسيط.

عودوا إلى السينما آل قرطاج، ففيها بعض من أسطورة عليسة ودهشتها.

13