حين بدأ المسرح الغربي يعيش "العقم" فتح نوافذه على الشرق

الناقد المسرحي المغربي خالد أمين يدعو إلى مثاقفة مسرحية تلغي الفوارق بين الثقافات.
الجمعة 2020/03/27
المسرح استفاد من تراث الشرق

في سياق دعوته إلى المثاقفة، أو التفاعل بين الثقافات، والانفتاح على الآخر، وإبراز الذات من دون انصهار أو انغلاق، يعتمد الناقد والباحث المغربي خالد أمين منهجية نقدية تؤكد أن الفن المسرحي لا يعيش إلا في إطار الحوار الفني، والتلاقح الثقافي بين الشعوب، وأي تصور انطوائي محكوم عليه بالموت والانتحار البطيء.

في كتابه الجديد “المسرح والهويات الهاربة: رقص على حدّ السيف”، يتناول الناقد خالد أمين رحلة الغرب نحو الشرق بما يمكن تسميته بـ”مسرح المثاقفة”. موضحا أن عبارة الهويات الهاربة قد تبدو صادمة للبعض، لكن حينما نحقق النظر في مفهوم الهوية نجدها تفتقد إلى مركز ثابت، بالرغم من إصرارها المستمر على التشبث بالحضور، إضافة إلى تموقعها في فضاء تخومي بيني، يراوح عموما بين الأنا والآخر، وما الهوية إلا نموذج مثالي للأشكال الهاربة والمهاجرة والسريعة التحول وغير المستقرة على حال.

 ويشدد الباحث على أن المسرح بدوره يُعد من أكثر الفنون المقاومة لمنطق المتجانس والمطلق، ذلك أنه منذ نشأته الإغريقية الأولى وإلى الآن وهو في ثورة أشكال مستمرة، وبالرغم من وهم الحدود فإنه يتطور تاريخيا من خلال التّبني المحاكاتي، والتبادلات الثقافية بين مختلف الشعوب.

كسر المركزية

ويرى أمين في كتابه، الصادر عن منشورات المركز الدولي لدراسات الفرجة في مدينة طنجة، أن مفهوم المثاقفة غالبا ما يُستعمل للدلالة على التفاعل بين ثقافات مختلفة في التأثير والتأثر، ويلاحظ أن المسرح الغربي بدأ يعيش حالة من “العقم”، وكان عليه أن يفتح نوافذه على الشرق، أو تجارب في اتجاه الشرق، في لقاء مثمر بينهما من أجل بناء حداثة مسرحية غربية. ومن هنا برزت الحاجة للمثاقفة المسرحية في المسرح الغربي، حسب رأيه، خلال النصف الثاني من القرن العشرين، ليس بهدف الانفتاح على الثقافات

الفرجوية الأخرى، بل لتجاوز حالة العقم التي عمّت مجموعة من المسارح الأوروبية، وكذلك لحل مشاكل أضحت كاملة في تخوم التقاليد المسرحية الغربية، وخاصة مركزيتها المنكفئة على ذاتها سنين عديدة ضمن قوالب فنية تقليدية لم تعد تؤثر في جزء مهم من الجمهور.

الناقد يصر على ضرورة الاندماج في الهوية الإنسانية التي لا تتقيد بحدود، في إطار «الهويات الهاربة»

 وخلال الفترة الممتدة بين 1954– 1965، وهي واسطة العقد بين لحظتين فاصلتين من التاريخ المعاصر لأوروبا، الأولى مشحونة بالاحتقان الناتج عن مخلّفات الحرب العالمية الثانية، والثانية هي أحداث مايو 1968 (المظاهرات والإضرابات واعتصامات الجامعات والمصانع في فرنسا)، أصبحت باريس مركزا ثقافيا كونيا يستقطب أبرز الفرق المسرحية الدولية ضمن المهرجان الدولي للمسرح، الذي كان ينظمه آمون جوليان في مسرح ساره برنار (تطور سنة 1957 ليصبح مهرجان مسرح الأمم تحت إشراف اليونسكو).

لقد اعتمدت فلسفة المهرجان فكرة مصالحة الشعوب من خلال المسرح، والانفتاح على ثقافة الآخر، ولغات العالم، في وقت كانت فيه أوروبا منقسمة على نفسها، وتوصلت في النهاية إلى أن أهم إنجازات المسرح الغربي المعاصر خرجت من معطف الرحلة الشرقية، ويقر بذلك أحد دعاة مسرح المثاقفة الباحث الفرنسي باتريس بافيس، حيث قال في هذا الخصوص “إذا كان ثمة خطاب يجب أن نسعى لتجاوزه فهو التمركز الأوروبي المنكفئ، الذي يجعل من أوروبا حصنا منيعا ضد أي شكل من أشكال المثاقفة مع آخرها”.

ويركز الناقد في دراسته على مفهوم “الأنا والآخر”، حيث لا وجود بطبيعة الحال للأنا بمعزل عن الآخر، والمسرح نفسه بؤرة لهذا المفهوم، وفي الوقت ذاته هو ثورة مستمرة للأشكال المسرحية، إذ لا توجد نظرية مسرح ثابتة وساكنة، فكل شيء فيه مبني على استيعاب نظريات مسرح سابقة، وإذا أردنا تجاوزها فلا بد من إجراء حوار إنساني بين الأنا والآخر.

الهجنة المسرحية

الفن المسرحي لا يعيش إلا في إطار الحوار الفني
الفن المسرحي لا يعيش إلا في إطار الحوار الفني

يذهب أمين إلى أن استشراف آفاق المثاقفة خارج مدار المركزية الأوروبية كان رهانا إستراتيجيا لحل مشاكل المسرح المعاصر. ويؤكد في هذا الصدد أن عددا من المسرحيين الغربيين انجذب نحو الشرق خلال القرن العشرين، وأن ثمة نزوعا متزايدا لمسارح عديدة من ثقافات مختلفة ومتنوعة لتبني عناصر فرجوية تنتمي إلى ثقافات مسرحية أخرى، وخاصة من المسرح الشرقي.

 ويضرب على ذلك أمثلة بتجارب الإيرلندي وليام باتلر ييتس، والفرنسي جاك كوبو، الذي ذهب إلى فضاءات “مسرح النّو” الياباني لاقتراح دراماتورجيا جديدة، والإنكليزي جوردون كريك الذي استخدم الأقنعة الأفريقية، والنمساوي/ الأميركي ماكس راينهارت الذي استلهم بعض تقاليد “مسرح الكابوكي” الياباني، في محاولته لإعادة النظر في الترتيب المسرحي البرجوازي قبل تلميذه الألماني برتولد بريخت الذي تأثر، أيضا، بجماليات الأداء الشرقية.

يهدف أمين، في دراسته هذه، إلى تقويض نزعة التمركز الثقافي حول الذات والوطنية للعبور صوب التلاقي بين الجغرافيات والثقافات والقوميات، وتأسيس أفق إنساني يتحرر من وهم الانتماء المنغلق المعادي للتبادلات الرمزية.

 وقد أخضع مشروعه النقدي الموسوم بـ”الهجنة المسرحية” للنقد والمراجعة لأن مفهوم “الهجنة” يشير إلى التشابك المعقد الذي يتعذر معه التمييز بين ما هو ملك لنا وما هو ملك لغيرنا من جهة، ويتيح الاهتمام بالاختلاف الثقافي بدل التعدد الثقافي، ويؤسس للفضاء الثالث أي الفضاء البيني، خاصة أن الهجنة تغرّب تاريخ الثقافات، وتنزعها عن سياقها المكاني واللغوي والجغرافي، وتقدف بها إلى مفهوم معولم يحجب الخصائص المميزة للثقافة والهوية، كما أنها تكريس لهيمنة النموذج المسرحي الغربي بدل تقويضه، مادام يسمح بإمكانية عزل الفرجة عن بعضها البعض، ومن ثم إبراز أصولها الثقافية، مما يفضي إلى بزوغ رؤى تعتد بالنقاء الثقافي.

ومن هنا يصر الناقد خالد أمين على ضرورة الاندماج في الهوية الإنسانية التي لا تتقيد بحدود، في إطار “الهويات الهاربة” التي تقيم بين الأوطان وتتحرر من الأماكن، لتسقط بذلك المسميات المنتجة للفرق. ومن ثم الدفاع عن الثقافة الإنسانية خارج المنظور الثنائي الذي فرضته مركزية النموذج المسرحي الغربي، وأعاد تأسيسه بعض رواد المسار التأصيلي العربي.

يذكر أن خالد أمين حصل على الدكتوراه عام 2000 عن تناولات شكسبير في المسرح العربي، ثم التحق إلى التدريس في جامعة عبدالمالك السعدي بتطوان، وجامعة نيو إنكلند في طنجة.

وسرعان ما تطورت إسهاماته لتخرج من النطاق الأكاديمي إلى فضاء التنشيط المسرحي، فأسس المركز الدولي لدراسات الفرجة الذي أنتج في ما بعد المهرجان المسرحي الدولي السنوي “فنون طنجة المشهدية”، وتوسع بتعاوناته الدولية وإسهاماته البحثية ليصبح ضمن المجلس الاستشاري لأهم المراكز البحثية المسرحية في ألمانيا وهو “المركز البحثي الدولي لتناسج ثقافات العرض” التابع لجامعة برلين الحرة، الذي أسسته وترأسته إيريكا فيشر ليشت رائدة الدراسات المسرحية الألمانية.

14