حين تحتضر الصحافة الورقية

الخميس 2016/03/10

لا يمكن الحديث عن مستقبل الصحافة الورقية في العصر الرقمي مع دخول العالم حقبة لم يعد التحكم بالمعلومات فيها أداة أساسية متاحة للضبط، ما لم يتم التعاطي بعمق مع الواقع الجديد. فثورة المعلومة الإلكترونية التي بدأت آثارها تظهر منذ سنوات قليلة عبر التوسع في استخدام الإنترنت لم تعد معها أساليب النقل التقليدي مقنعة للمتلقي، وباتت الحاجة لإعلام جديد يلبي رغبات الجماهير في الخبر الدقيق، أمرا ملحا في ظل التحول الذي يعيشه الإعلام.

الاكتفاء بالنسخة الإلكترونية توجه عالمي أصبح يفرض عنوة على مالكي الصحف الورقية، وللوهلة الأولى يبدو أن السبب الجوهري يتعلق بالمال رغم أن المداخيل تراجعت كثيرا خلال العقد الماضي، لكن حالة الجمود التي يعاني منها هذا الصنف من وسائل الاتصال الجماهيري ربما الدافع الأهم نحو التراجع الكبير لنسبة الجمهور في السنوات الماضية وقد يكون لاحقا السبب وراء انقراضها، وهو ما قد يحصل تدريجيا.

مع التطور التكنولوجي السريع في مجال الوسائط المتعددة وفرض الإعلام المرئي الفضائي نفسه على المشهد بشكل شبه كلي واستحواذ الإذاعات حيزا مهما في معركة نقل المعلومة، لا تزال الصحافة المكتوبة تتمسك بجهود فردية هشة حتى تحافظ على استمرارها لتبقى مصدرا للخبر كما كانت في السابق رغم أنها بدأت تفقد فئة من جمهورها يوما بعد آخر، ومن غير المحتمل أن تحتفظ بموقعها بعد أن استغل صانعو الصحافة الإنترنت على نحو فعال.

قبل عقد ونيف خلصت دراسة أكاديمية كنت قد أعددتها في إطار رسالة تخرج حول مستقبل الصحافة الإلكترونية إلى أن هذا المولود الجديد سيسقط الصحافة المكتوبة عاجلا أم آجلا من على عرشها الذي سيطرت عليه طيلة عقود وسيزيحها تماما في يوم ما بعد أن بدأت تلوح حينها ثورة صامتة في المشهد الإعلامي بشأن الوسائط الأنسب والأمثل في نقل المعلومة ولا سيما عندما استأثرت المواقع الإلكترونية اهتمام المتصفحين، لكن الأمر يبقى محور جدل متواصل إذا ما تم اعتبار أن ما تم التوصل إليه يبقى نسبيا.

قد لا تكون نتائج تلك الدراسة ذات قيمة آنذاك، لكن العديد من الدراسات تثبت ذلك اليوم. وكان آخرها ما توصلت إليه شركة ماكينزي الأميركية للاستشارات، المصنفة بين الأفضل في العالم في قياس مؤشرات الإعلام، حيث نشرت تقريرا في أكتوبر الماضي خلص إلى أن العديد من الأشخاص على استعداد للتنازل عن متابعتهم للصحف والمجلات المطبوعة نهائيا. ومع ذلك لا تزال هناك نسبة ليست بالقليلة تحافظ على اشتراكاتها في هذا النوع من الإعلام رغم التكاثر الكبير للمواقع الإخبارية التي تقدم لهم الأحداث يوميا على نطاق أوسع وبشكل أنيق لا يخلو من المنافسة في ما بينها.

وليس ذلك فحسب، فقد توقع خبراء مثل فيليب ميير في كتابه “نهاية الصحيفة” الذي أصدره العام الماضي أن يشهد عام 2043 نهاية آخر صحيفة ورقية في الولايات المتحدة٬ لكن عالم المستقبليات داوسن كان أقسى منه في إثارة ذلك الموضوع، إذ توقع قبل خمس سنوات أن يشهد عام 2022 موت الصحافة المطبوعة نهائيا.

يبدو أن تلك الفرضيات والتوقعات بدأت تتحقق حيث يواكب مجتمع السلطة الرابعة انسحاب صحف ورقية من المشهد واحدة تلو الأخرى لتترك الطريق معبدا لمنافساتها الإلكترونية وقد نسمع عن إحالة صحف أخرى على التقاعد الوجوبي قريبا. فبعد ثلاثين عاما من صدور أول عدد من ذي إندبندنت قررت مجموعة إي.إس.آي ميديا الإعلامية البريطانية المالكة للصحيفة وقف الإصدار الورقي منها، وحذت صحيفة الباييس الأسبانية حذوها أيضا على الرغم من التوزيع الواسع لهما، وهذا الأمر ليس بجديد ففي 2013 استغنت مجلة نيوزويك الأميركية عن النسخة الورقية، في مشهد يلخص حالة الجمود التي تعاني منها الصحف.

الصحافة المكتوبة في مرحلة الاحتضار وقد تستمر طويلا لكن في النهاية ستندثر رغم تفاؤل البعض إذا ما تم التسليم بأنها مورد دخل للملايين ولا بد من المحافظة عليه. فببساطة أبرز ما يميز الصحافة الرقمية كونها صحافة تفاعلية، فبإمكان المتصفح التعليق على الخبر فور قراءته والتواصل مع جمهور لا يعرفه ومناقشة الآراء معهم بشكل حيني، كما أن لديه الفرصة لإرسال الأخبار ونشرها باسمه أو عن طريق معرف خاص به يتمكن من خلاله من إضافة تعليقاته ومشاركاته.

كاتب وإعلامي تونسي

18