حين تستعيد البحرين مواطنيها

الاثنين 2013/11/04

بالغ طرفا النزاع في البحرين في انفصالهما، الواحد عن الآخر حتى بدا أن المركب الذي يقلهما لو غرق فإن طرفاً واحداً منهما سينجو في حين يذهب الطرف الآخر إلى حتفه، غير مأسوف عليه.

سلوك مذعور وعصابي وعاكف على ذاته من هذا النوع لا يشير إلى حالة سوء الفهم التي وقع فيها الطرفان في مواجهة معنى الشراكة الوطنية فحسب، بل وأيضا يذهب إلى التشكيك في إمكانية كل طرف منهما على استيعاب وظيفته في الحياة السياسية والاجتماعية واستدراك أخطائه التي قد يكون بعضها قاتلا.

ففي كل مرة يبدأ فيها حوار الحكم مع المعارضة تتعثر خطواته الأولى بسبب ما يظهره الطرفان من شعور عميق بعدم الثقة المتبادل. حتى ليخال المرء أنهما حضرا إلى الحوار لفتح صفحة الماضي لا من أجل طيها.

كل واحد منهما ينظر إلى الآخر بعين الريبة وهو يفكر في المكان الذي وُضع فيه السم.

يخبئ الطرفان الكثير من أوراقهما وهما يفكران بمكيدة قد تقع في أية لحظة.

كان من الممكن ألا يجر ذلك النزاع السياسي المجتمع البحريني إلى التناحر الطائفي لو أن الطرفين اكتفيا بالوقوف عند أسبابه العملية التي يغلب عليها الطابع الاقتصادي، من غير السقوط في مستنقع طائفي، لن يكون من الصعب عليه أن يبتلع مجتمعاً صغيراً مثل المجتمع البحريني.

لقد حرص عدد من المثقفين البحرينيين المعارضين على النأي بأنفسهم بعيدا عن الحراك الثوري الذي قادته المعارضة على هيئة احتجاجات واعتصامات لم تكن تخلو من أعمال عنف.

كان موقف أولئك المثقفين الذي عبروا عنه في بيان معلن مبنياً على معرفة دقيقة وتفصيلية بنوايا المعارضة المبيتة وبحقيقة ما تفكر فيه وما تسعى إلى الوصول إليه. ولم تكن السلطة غافلة عن أصول اللعبة التي صارت حركة الوفاق تسعى إلى تكريس قوانينها في الشارع البحريني.

كان مفاجئاً للكثيرين أن يتخذ عدد من المعارضين- الذين سبق لهم أن ناهضوا السلطة ودخلوا السجون- موقفاً قريباً من الحكم وهو يتصدى لأجندات معارضة لا تخفي سعيها إلى استبدال نظام حكم قبلي لا يمانع في الرضوخ للإصلاحات المدنية بنظام حكم ديني يكون تابعا لإيران من جهة ولائه لمبدأ ولاية الفقيه.

ولكن مَن سلم تلك الجماهير الغفيرة لحركة الوفاق لكي تختطفها وتراهن عليها في خياراتها الانتحارية؟

كان على الدولة أن ترعى مواطنيها. كان عليها ألا تفرط بهم ليكونوا مادة سهلة يتحكم بها رجال دين يخفون تحت جببهم مشاريع سياسية معقدة وخطيرة، كان من الممكن أن يكون المواطن البحريني في منأى عنها.

لقد استغلت الحركات الدينية شعور المواطنين بالتمييز لتصنع من نكدهم مركبها الطائفي. وللأسف فإن السلطة كانت لا تقدر حجم المأساة، لأنها كانت تؤمن أن ذلك المركب قد صنع من أخشاب مهترئة. وهنا يكمن الخطأ الذي استفادت منه حركة الوفاق وهي تجدد صراعها مع السلطة.

قد أكون متفائلاً حين أزعم أن عدداً كبيراً من أبناء الطائفة الشيعية في البحرين يميلون إلى حل علماني، يضع المساواة حجر أساس لبناء مجتمع يمارس أفراده طقوسهم الدينية بعيدا عن السياسة.

مَن يعرف البحرينيين جيداً لابد أن يوافقني ذلك الرأي.

وهو الرأي الذي انحاز إليه مثقفو البحرين المعارضون حين قرروا أن يضعوا مسافة بينهم وبين الاعتصامات التي قادتها حركة الوفاق، التي هي حركة دينية ليس لديها مشروع سياسي واضح سوى ما كان يشير إلى تمترسها الطائفي، الذي لم يكن سوى محاولة للزج بفقراء الشيعة في حرب ضد مؤسسة الحكم التي اعتبرت سنية، بالرغم من أن آل خليفة لم يحكموا البحرين انطلاقاً من قاعدة دينية.

لا يزال في إمكان البحرين أن تكون نموذج حياة لمواطنة لن تتحقق عن طريق ممارسة الطقوس الدينية. ما تملكه الحكومة لا تملكه معارضة زجت بنفسها في خانق طائفي ضيق. فهل ستستعيد الحكومة البحرينية مواطنيها؟


كاتب عراقي

8