حين تشرق شمس لندن

صرت أبكي افتقادا حتى لشمس "آب اللهاب" في بلادي.. ولأيام قيظه الحارقة التي نطلق عليها في العراق "طبّاخات الرُطَب".. فهي ما إن تحين وتشوينا بحرِّها حتى ينضج التمر ونهنأ بحلاوته.
الخميس 2018/05/10
إذا جاعت جوانحك لسطوع الشمس فلن تجد في العالم ما هو أجمل وأبهى منها

في البلاد التي تفتقد الشمس، تتألق الحياة ما إن تجدها مشرقة، شتاء كان إشراقها أو صيفا. فنرى الشوارع والساحات والحدائق العامة قد امتلأت بشرا بألوان زاهية ومرح ملفت.. وازدهر فيها أطفال يلعبون ويمرحون في كل الأماكن.. ولا عجب فشروق الشمس في بلاد البرد والغيم عيد!.. وهي مناسبة جديرة بالاحتفاء والاحتفال.. ولذا نجد الكرنفالات وقد اجتاحت كل الأماكن.. إلا البيوت!

كنت أستغرب مهرجانات الفرح تلك حين وصلت لندن قادمة من القاهرة ومن قبلها بغداد.. وكنت أستغرب تصرفات الضيوف من أصدقائي الذين يسكنون تلك البلاد.. فهم ما إن يصلوا بغداد أو القاهرة حتى نراهم يتصرفون مثل الغربيين في عشقهم للشمس!.. “لماذا تجلس في الشمس؟ ستمرض!.. أليس الظل أفضل!”\ “لا.. لا.. أبدا أنا أحب الشمس!”.

هيهات!.. لا يمكننا أن نقنع المحروم بأن ما حُرم منه غير مهم وغير مفيد أو غير ذي قيمة!.. ألا يقولون إن الجوع أمهر الطباخين؟.. وإذا جاعت جوانحك لسطوع الشمس فلن تجد في العالم ما هو أجمل وأبهى منها!

بيد أننا في بلدان الشمس المشرقة غالبا ما نختبئ منها ونتحاشاها.. وغالبا ما نفضل عليها الغيم والمطر.. وشخصيا كنت من أولائك الذين يعشقون المطر جدا.. (لم أكرهه اليوم.. لكنني في أقل القليل لم أعد عاشقة له.. بت أراه ربما أمرا معتادا ومزعجا أحيانا.. ربما صارت مكانته عندي مثلما كانت مكانة الشمس حين كنت في وطني!).. ونحن أبناء تلك البلاد قد لا نفهم معنى أن يصل الإنسان إلى مرحلة الكآبة والمرض حين يفتقد السطوع.. لكننا في الواقع أكثر عرضة من الغربيين للانجراف وراء سحب الكآبة بسبب غياب الشمس.. وقد يأتي ذلك غالبا مصحوبا بأمراض الغربة والحنين.. وقد وقعت في ذلك الفخ أنا أيضا.. وصرت أبكي افتقادا حتى لشمس “آب اللهّاب” في بلادي.. ولأيام قيظه الحارقة التي نطلق عليها في العراق “طبّاخات الرطب”.. فهي ما إن تحين وتشوينا بحرِّها حتى ينضج التمر ونهنأ بحلاوته.. وصرت أبكي حنينا وأنا أردّد أبيات السياب “الشمسُ أجمل في بلادي من سواها والظلام.. حتى الظلامُ هناكَ أجملُ فهو يحتضنُ العراقْ..”.

وقد نصحني أحد أصدقائي ذات يوم بأن أسرع إلى شراء ذلك الجهاز الصغير الذي يعمل عمل الشمس في تبديد الحزن وإضاءة النفس.. وهو عبارة عن مصباح صغير يبعث حزمة من أشعة تعادل في سطوعها الضياء الذي تبعثه شمس صباح ربيعية منعشة.. وهو علاج ناجع صار الأطباء يصفونه لمرضاهم المصابين بما اصطلح عليه بـ”اضطراب المزاج الموسمي”.. والطريف في الأمر أن اختصار ذلك باللاتينية هو “أس. أي. دي.”.. أو “ساد”.. وهو ما يعني “حزين” باللغة الإنكليزية!.. وصار الاسم العلمي والتجاري لهذا المصباح هو “ساد”.. وصار شائعا أنه لا يوصف إلا للمصابين بالحزن والكآبة!.. ولكن ماذا عن المصابين بالحنين؟

لم أشترِ الجهاز.. وقررت أن أنير شمعة روحي بنفسي دون حاجة إلى طبيب أو جهاز.. فقد ولدت على ضفة الشط العظيم هناك.. وتشربَ جسدي بشمس بغداد البهية منذ أن فتحتُ عينيّ على هذا العالم.. ولأنني أحمل بلادي أينما سرت وأنى حطت ركابي.. فأنا أملكُ من خزائن سطوعها ما يضيء بلادا فلا يغيب عنها النور!

21