حين تصبح أنقاض حمص القديمة ملهمة للفنانين

مع التطورات الاجتماعية والسياسية والفكرية وتغير شكل الاجتماع الإنساني يبقى للفن دور هام في حياة الشعوب والأمم، وتتنوع أشكاله للتعبير عن مشاعر الإنسان وعواطفه ومعاناته، فعبر عن لحظات الحب والفرح، كما عبر عن لحظات الحرب والموت، والحالتان ملهمتان للفنان السوري.
الخميس 2016/02/11
سكوت سنقاتل

حمص (سوريا) – باتت مدينة حمص القديمة التي تغيرت معالمها بعد عشرين شهرا من القصف والمعارك العنيفة بين الجيش السوري والفصائل المقاتلة، مصدر إلهام للفنانين ومسرحا لأعمالهم على اختلاف مجالاتهم.

وسط الخراب والدمار في مدينة حمص في وسط سوريا، اختار جود سعيد أن يخرج فيلمه “مطر حمص” في صيف العام 2014، بعد ثلاثة أشهر على انسحاب الفصائل المقاتلة بعد دفاعها بشراسة عن المدينة وإجبارها على الخروج منها بموجب تسوية إثر عامين من حصار خانق فرضه الجيش السوري.

ويقول سعيد (35 عاما) “في نهاية العام 2013 كنا بصدد التحضير لفيلم يتحدث عن حصار ثلاث شخصيات، وكنا ننوي تصوير ذلك ضمن ديكورات سنقوم ببنائها لهذا الغرض، وفي اللحظة التي حصلت فيها الاتفاقية في حمص نقلنا كل هذا الحدث إليها، إلى الديكور الحقيقي”.

ويعتبر سعيد أن حمص هي “المأساة الحقيقية التي خلفناها نحن البشر، ولذلك بني “مطر حمص” للأسف كسيناريو على أنقاض هذه المدينة”.

وأطلق معارضو الرئيس السوري بشار الأسد على حمص لقب “عاصمة الثورة” كونها شكلت ساحة احتجاج ضد النظام منذ منتصف مارس 2011 لتتحول بعدها إلى ساحة معارك عنيفة بين الطرفين. وبات الجيش السوري منذ بداية مايو 2014 يسيطر على مجمل هذه المدينة بعد انسحاب حوالي ألفي عنصر من مقاتلي الفصائل من أحيائها القديمة بموجب تسوية بين ممثلين عنهم والسلطات إثر حصار خانق تسبب في مجاعة ووفيات. وفي أواخر العام 2015، بدأ تنفيذ اتفاق جديد لإخراج المقاتلين من حي الوعر، آخر نقاط سيطرتهم في هذه المدينة.

مخرج سينمائي: نحن، السوريين، كلنا مسؤولون عن مأساتنا، وعلينا إيجاد الوسائل للتعافي من جروح أرواحنا وأحجارنا

ويسرد الفيلم أحداث الأشهر الثلاثة الأخيرة من الحصار من خلال عرض قصة امرأة وأختها الصغرى اللتين انتهزتا فرصة أول عملية إجلاء للمدنيين في فبراير 2014 للدخول إلى المدينة القديمة بحثا عن شقيقهما المفقود. وبقيتا هناك بمساعدة قس تم قتله في وقت لاحق.

ويروي المخرج، الذي حاز على جائزة أفضل فيلم في مهرجان القاهرة السينمائي العام 2015 عن فيلمه الآخر “بانتظار الخريف”، أن “حمص المدمرة كانت تعد جزءا من شخصيات ‘مطر حمص’ بمعنى أن هذا المنظر يلخص ما نحن كبشر قادرون على فعله من بشاعة”.

وأمضى فريق العمل نحو مئة يوم بين أنقاض هذه المدينة التي تخلو من أي مظهر للحياة فيها باستثناء عناصر الجيش المنتشرة فيها. ويقول سعيد “تروي هذه المدينة ذاكرة أهلها الذين تفرقوا وبقيت هذه الأحجار المدمرة تحمل أسماءهم وآلامهم ودموعهم”.

ويتابع “نحن السوريين، كلنا مسؤولون عن مأساتنا، لا يهم من تسبب فيها، وأين؟ وكيف؟ علينا إيجاد الوسائل للتعافي من جروح أرواحنا وأحجارنا”.

صور تعكس الواقع

وتعكس يارا عيسى (26 عاما)، التي روعها ما حدث في المدينة، كل ما تشعر به تجاه حمص في لوحاتها. وتقول “كان جو الموت واضحا جدا في حمص، أشخاص يقتلون وشهداء وتفجيرات وقذائف، كان هناك دمار إنساني، بدأت برسم ما شاهدته والتعبير عن ذلك باستخدام الألوان الباردة التي ترمز للحزن”.

واضطرت هذه الشابة، المتحدرة من حي باب السباع في المدينة القديمة، إلى الانتقال إلى دمشق بعدما دمر منزلها و”جميع الأماكن” التي كانت ترتادها.

وتقول يارا إن الفنان السوري يرسم “كي نذكر العالم بعد الحرب بما حدث لنا، أريد أن يكون ذلك موجودا لأننا مررنا بمرحلة صعبة جدا، ولكي أبقى على تواصل مع الماضي”. واختار جعفر مرعي بدوره الدمار في مدينة حمص وواجهات الأبنية المدمرة خلفية لصور يلتقطها لعرسان يحتفلون بزواجهم، الفتاة في فستانها الأبيض والشاب في بدلته.

ويقول مرعي إنه صور ثلاث حفلات زفاف وسط الأماكن المدمرة، ويروي “اقترحت عليهم (العرسان) أن نقوم بالتصوير في مكان مدمر، ولدى سؤالي عن السبب أجبتهم بأننا نريد أن نظهر للعالم كله أننا صامدون ولا نستطيع إعمار سوريا إلا بالحب”.

ويعزو هذا المصور (22 عاما)، الذي لا يخفي ولاءه الشديد للنظام، سبب الدمار إلى “الإرهاب”، معتبرا أن الجيش السوري أدى واجبه عندما أعاد السيطرة على حمص بالقوة.

والتقط الشاب صور آخر حفل زفاف بين الحطام منذ أيام عدة، حين صور العروسين، الضابط في الجيش السوري حسن يوسف (27 عاما) ورنا (18 عاما).

وتقول رنا “وافقت على التقاط الصور في هذا المكان التعيس والحزين لكي يرى أولادي صور الزفاف في يوم ما، وأروي لهم أنه رغم الحزن والدمار الحياة مستمرة”، مكررة أن “سوريا لا تعمر إلا بالحب”.

20