حين تنفصل المنظومة الكلامية عن المنظومة العقلية

ليس الانفصال بين القول والفعل أو بين المنظومة الكلامية والمنظومتين السلوكية والعقلية، في دائرة فعل الكذب وحدها.
السبت 2019/07/20
الكذب له أكثر من وجه (اللوحتان للفنان بسيم الريس)

في أحاديثنا اليومية، طالما استمعنا إلى من يقول وهو يمدح شخصا ما ويشيد به، إنه قولٌ وفعل، بمعنى أن ما يقوله، يفعله، وهو موضوع مهم ودائم الحضور، وما جعلني أتوقف عنده و أتناوله هنا، والتفكير فيه، بل ما لفت نظري وقادني إلى التأمل فيه، هو ما ألاحظه عند أشخاص كثيرين وبخاصة من العاملين في السياسة والشأن العام، كونهم، حين يتحدثون في مجالسهم الخاصة أو العامة، ومنها لقاءات واجتماعات ومنابر إعلامية واسعة الانتشار، تصل إلى من يعرفهم وإلى من لا يعرفهم، فنراهم يتحدثون، بما يؤكد انفصال المنظومة الكلامية لديهم عن المنظومة السلوكية، بل عن المنظومة العقلية، ومنهم من يجيد الكلام ويتصف بقدرات خاصة في التعبير عما يريد الحديث عنه.

وهذه القدرات في إجادة الكلام، توهم الكثيرين منهم، بأن كل ما يقولونه وما يعبرون عنه، يصل إلى الآخر ويؤثر فيه، ويمكن أن نلاحظ على الكثيرين من أمثال هؤلاء الذين نتحدث عنهم وورد وصفهم من قبل، بأنهم حين ينساقون في الحديث الصادر عن منظومة كلامية، في حال انفصال عن المنظومة السلوكية والعقلية، لا يحسبون أي حساب لمن يعرفهم بمن فيهم أقرب الناس إليهم، من ذويهم وأصدقائهم، بل أستطيع أن أقول، وهذا القول صادر عن رصد وتأمل طويلين، إنهم لا يحسبون أي حساب حتى لأنفسهم، وكان الكلام يتوفر على طاقة سحرية لإخفاء الواقع وتغطية كل ما فيه.

وكان بإمكاني، بل بإمكان، أي شخص متابع، ضرب أمثلة لا تعد ولا تحصى، عن هذا الموضوع، وبخاصة في هذه المرحلة، حيث تتيح كثرة وسائل الاتصال وانتشارها، أمثلة كثيرة جدا، لكنني تجاوزت ضرب مثل هذه الأمثلة وذكر الأسماء وما أكثرها، لأن ذلك يبعد الهدف من تناول هذا الموضوع، وهو هدف ثقافي، ويحوله إلى موضوع سياسي، وقد يدخله مدخل التشهير والنقد اللاذع، وأنا لست ضد النقد الذي يوجه إلى هؤلاء، لكن وكما يقال، لكل مقام مقال.

إن الانفصال بين المنظومة الكلامية والمنظومتين السلوكية والعقلية، ينتج عنه كذب صريح، يعرف ويكشف بالمعلومات حينا وبالإدراك العقلي حينا آخر، ومع ذلك فهذا لا يحول دون سيل من الأكاذيب والادعاءات، يطلقها سياسيون وأشخاص معروفون، عبر منابر إعلامية ومناسبات سياسية أو اجتماعية، وقد يكون بين الحضور من المستمعين، مَنْ يعرف أن المتحدث يكذب، ويعرف أدق الحقائق في ما يتحدث عنه، غير أن المعرفة به لا تحول بينه وبين الاستمرار في الكذب والادعاء.

الذين يعانون من حالة الانفصال لا يستطيعون تجاوزها
الذين يعانون من حالة الانفصال لا يستطيعون تجاوزها

بل قد يكذب هذا الشخص في أمرٍ عام، ومن ثم تظهر معلومات من مصادر موثوقة وبدلائل موثقة، تفضحه وتكشف كذبه، وبدلا من أن يتحول هذا الكشف وهذه الفضيحة إلى درس يبعده عن الكذب والادعاء، نراه يعود بعد حين إلى ما كان عليه من دون حرج أو خجل أو تحسب. لذا نستمع إلى جبان وهو يدعي البطولة الخارقة، وإلى بخيل يذكرنا بأحد بخلاء الجاحظ، وهو يدعي كرم حاتم الطائي، أو إلى صفيق تافه يدعي حكمة أيوب، أو إلى فاسق يدعي الطهر، ورحم الله شاعرنا الكبير محمد مهدي الجواهري حين قال:

وإن البغي التي تدعي/ من الطهر ما لم تحز مريمُ.

ومما يمكن القول في هذا الموضوع تحديدا، إن الذين يعانون من حالة الانفصال التي أشرنا إليها من قبل،لا يستطيعون تجاوزها، حتى لو حاولوا ذلك، لذلك نراهم بعد كل كذبة فاضحة تتناولها الأقلام والألسنة، يعودون إلى مثلها أو إلى أسوأ منها.

وقد يضطر إنسان طيب إلى كذبة بيضاء ليتجاوز بها حرجا ما أو يدفع عن نفسه أذى، وقد يكون كذابا أشرا، غير أنه لا يفيد من كذبه، أما أخطر أنواع الكذب فهو الذي يمارسه السياسيون والعاملون في الشأن العام، لأنهم يستثمرونه في مصالحهم، مادية كانت أم معنوية.

لقد جاء في محكم الكتاب “ويحلفون على الكذب وهم يعلمون” صدق الله العظيم، وفي هذه الآية الكريمة إشارة واضحة ووصف دقيق لأولئك الذين يعيشون انفصالا بين القول والفعل، وهم من أكثر الناس حلفا بأغلظ الأيمان، وكأنهم يفصحون عن صراع داخلي ومعاناة بسبب ما يقولون كذبا، فهم يكذبون ويعرفون أنهم يكذبون، وما مبالغاتهم في الحلف، إلا محاولة لتغطية كذبهم، والتخفيف من عبء إحساسهم الناتج عن علمهم بأنهم يكذبون.

وليس الانفصال بين القول والفعل، أو بين المنظومة الكلامية والمنظومتين السلوكية والعقلية، بفعل الكذب وحده، بل يكون أحيانا بسبب خلل في الوعي وارتباك في إدراك معنى المسؤولية، وهذه الحالة تمارس على نطاق واسع، بل ربما مارسناها من دون قصد سلبي، وإنما في ظل حماسة ومبالغة في الوهم، الوهم في طاقاتنا وقدراتنا على إنجاز ما نعلن عنه ونعد به، وعلى سبيل المثال، نجد ذلك في الحملات الانتخابية، مهما كانت طبيعة هذه الانتخابات، نيابية أو نقابية أو مهنية، حيث يبالغ المرشح في وعوده، وهو يعرف أنه غير قادر على الإيفاء بها أو حتى ببعض منها.

فإذا فاز في الانتخابات، ابتلع لسانه ونسي أو تناسى كل وعوده وتهرب من أي مواجهة مع ناخبيه، ومن مفارقات هؤلاء، حين يعودون إلى حملة انتخابية قادمة، يكررون وعودهم السابقة وقد يزيدون عليها، ويمكن رصد هذه الحالة في مؤتمرات الأحزاب والنقابات والمنظمات، حيث يتضمن البيان الختامي من التوصيات والوعود والقرارات، ما لو نفذت لصارت دنيا الناس فردوسا، ثم ينتهي الزمن المقرر بين مؤتمرين، ويعقد المؤتمر التالي، ولم تُنفّذ قرارات ولا تحققت الوعود، ومع هذا يكرر كل ما كان من قبل من دون وعي بمعنى المؤتمر ومعنى قراراته، ومسؤولية قيادته، وواجب تحقيقها في الزمن الممتد بين مؤتمرين.

وهذا يذكرنا بمثل شعبي معروف وشائع في العراق، يقال لمن يبالغ في وعوده ولا يحققها، وهو “سوّالنا الهور مرك والزور خواشيك” ومعناه: أعد لنا طعاما -مرق- بحجم الهور، وجعل من نباتات البرية ملاعق ليؤكل بها ذلك الطعام، وفي الحقيقة، لا طعام ولا ملاعق.

14