حين غرق النهر في جوف المحنة

أيّ لعنة تلك التي ولّدها احتلال بلد، ذهبت حتى مياهه وصارت أنهاره ذكريات، أي حكم هذا الذي لا يستطيع أن يدافع عن نهر موحّد للشعب.
الخميس 2018/03/22
الوطن صار بلا مياه وأنهاره ذكريات

حين وصلت المدينة، قلت لمرافقي سرْ بنا إلى النهر، لم يجادلني وكأني أشير إلى شارع النهر، الذي يوازي نهر دجلة في قلب بغداد، كنت تواقاً بعد أربع عشرة سنة من الغياب، إلى أن أطمئن على وجوده خشية سرقته هو الآخر، كما سرقت الكثير من الأشياء الجميلة.

جال سائقي حول الكرخ من المطار ليوصلني إلى هناك، متحاشيا زحامات المدينة الغارقة في فوضى لم أعتدها من قبل، لكثرة الحواجز التي طوقت المدينة، والسيطرات التي اشتبكت عليها، وأفقدتها انسيابيتها، المدن التاريخية تكره العسكر، لا تحب مرأى الدرك، لأن مبانيها وجدرانها وتاريخها مشبعة بالحكايات، والتماثيل والجداريات والصور والكتابات على جدرانها لعشاق سجّلوا لحظات عشقهم.

تذكرت عدد الخطوات التي كانت توصلنا إليه، وكيف كنا ندلف إليه عَبْرَ الشوارع الضيقة بين شارعي الرشيد والنهر المتعرج والموازي، لنطل على ذلك النهر الأسطوري كل يوم حين نخرج من الجامعة أو حيث نعمل في الجريدة القريبة منه، حيث تزدحم عنده المدينة وتلوذ به الشوارع وتنحني حوله الأزقة، وتدنى شُرف بيوت المترفين وشناشيل بيوت الجلبي والباشوات، والرئاسات، وكأن الذي يدنو من حافات النهر يصل إلى خط النهاية للسلطة والحكم.

عيل صبري لأصل إلى النهر حتى أطل الجسر الأخضر أخيرا، لأهرع نحو الشهداء الذي يربط بين كرخ بغداد ورصافتها، أنظر تحته إلى بقايا الماء الذي فيه، لا أعرف هل رذاذ النهر الذي يتطاير مع الريح الذي غطى وجهي أم دموعي التي سالت حزناً عليه وعلى مرآى ذلك المشهد حيث أُغرق النهر في حوض مساره الأزلي، وصار ذكرى نهر كان هنا.

تساءلت في سري كيف عبثت الظروف والأقدار بمسار نهر منحه الله لتلك الأرض ولناس سكنوا حوله وأسسوا حضارات أرض ما بين النهرين، انحسر النهر كثيرا وبات الصبية يعبرونه مشيا لا سباحة، أيّ لعنة تلك التي ولّدها احتلال بلد، ذهبت حتى مياهه وصارت أنهاره ذكريات، أي حكم هذا الذي لا يستطيع أن يدافع عن نهر موحّد للشعب، ومصدر بقاء للمدن التي سكنت حوله قرونا، بدا لي ثرثرة وكلاما فارغا، لم يُدافع عن نهر هو سر بقاء الملايين من شعب العراق حول نهريه.

سحبني سائقي وقال ما بالك لو ترى الفرات الذي تحول إلى ذكرى نهر، وتعطلت رحلته في طريق اعتاد أن يمشي فيه منذ الأزل، لقد تقاتلت المدن حول المياه، يا سيدي، الوطن الذي تعرف تغير، ما عاد وطنك، صار بلا مياه وأنهاره ذكريات.

24