حين كانت المقاهي أفضل من مدرجات الجامعات

الأحد 2017/10/29

من طنجة إلى بغداد، ومن دمشق إلى وهران، مثّلتْ المقاهي (منذ الأربعينات حتى تسعينات القرن الماضي) الفضاء العمومي الشعبي الأكثر ارتباطا بالإبداع والحرية وحلم التغيير، وفي تاريخ المقاهي يختفي جزء مهمّ من تاريخ تشكل وصعود الأنتلجنسيا العربية والمغاربية بكل تنوّعها.

في الجزائر ارتبطت أسماء بعض المقاهي ببعض كبار المبدعين الجزائيين والعرب والعالميين، فعلى طاولات أشهر مقهى بوهران السينترا (Cintra)، وضع ألبير كامو صاحب جائزة نوبل للآداب أول مسودّة لروايته “الطاعون” كان ذلك في العام 1939، والتي تجري أحداثها في مدينة وهران نفسها وفيها كتب أيضا “أسطورة سيزيف”. وفي هذا المقهى أيضا كان يجلس كبار الكتاب والفنانين من أمثال محمد ديب وإيمانويل روبليس. وعرف مقهى السينترا وجوها موسيقية بارزة من أحمد وهبي إلى شارل أزنفور ولاحقا الشاب خالد، وكانت ملاذا للعديد من المثقفين الجمهوريين الإسبان الهاربين من جحيم الجنرال فرانكو.

وفي مدينة قسنطينة يطلق الأهالي اسم “جامعة السوربون الصغيرة” على مقهى “النجمة”، فيه التقى كثير من قادة التيارات الفكرية والإبداعية والسياسية، من الروائي كاتب ياسين الذي كتب فيها مجموعته الشعرية الأولى “مناجاة” كما أنه فيها بدأ كتابة روايته الشهيرة “نجمة”، إلى رواد حركة الإصلاح من أمثال زعيمها الشيخ عبدالحميد بن باديس، رئيس جمعية العلماء المسلمين، إلى الروائي الطاهر وطار، والمفكر مالك بن نبي، وعمداء موسيقى المالوف من أمثال الطاهر الفرقاني والشيخ رايمون، كما أن مقهى النجمة كان فضاء أيضا لزعماء الثورة كالرئيس محمد بوضياف.

مدينة الجزائر العاصمة عرفت بعدة مقاه شكلت ذاكرتها الإبداعية وأشهرها مقهى طانطانفيل (Tantonville) الموجود عند قدم بناية المسرح الوطني الذي شيد العام 1853. وقد عرف مقهى طانطانفيل بخصوصية استقطاب النخب المسرحية الجزائرية والمغاربية منذ الحرب العالمية، ومن بعض رواده الأساسيين عميد المسرح الجزائري علالو ورشيد قسنطيني وغيرهم.

وشكّل مقهى اللوتس الواقع وسط العاصمة فضاء للنخب الأدبية والإعلامية الجزائرية التي تكتب باللغة العربية والنخب المشرقية التي كانت على علاقة بالجزائر الثقافية والسياسية والتعليمية في سبعينات القرن الماضي، ولمقهى اللوتس رواده، وهم مجموعة من الأدباء الذين أسسوا للخطاب الأدبي باللغة العربية في جزائر الاستقلال من بينهم الطاهر وطار وأحلام مستغانمي وأبوالعيد دودو.. ومن الأدباء العرب محمد حسين الأعرجي وجيلي عبدالرحمن وحيدر حيدر وشوقي.

غير بعيد من مقهى اللوتس على الضفة الأخرى من الشارع نفسه يوجد فضاء آخر هو مقهى “لابراس الكلية” (de la fac la Brass)، ظلت تلتقي فيه الأنتلجنسيا الجزائرية المفرنسة ذات الاتجاه اليساري أو الليبرالي من الأدباء والإعلاميين من أمثال الشاعر جمال عمراني ورشيد بوجدرة وجان سيناك ومحمد أركون والطاهر جاووت… وهي النخب التي كانت مؤثرة أكثر في الثقافية والإعلامية.

شكلت المقاهي مدارس حقيقية للإبداع الأدبي والمسرحي والسينمائي والفن التشكيلي والإعلامي. فما قدمته هذه الفضاءات الشعبية المفتوحة لم تستطع القيام به لا مدرجات الجامعات ولا قاعات المعاهد الفنية المتخصصة ولا دور الثقافة.

إلى عهد قريب كانت المقاهي في كثير من المدن العربية والمغاربية عناوين ثابتة ومعروفة للمبدعين تُمكّن الداخل إليها الوصول بسهولة إلى أيّ مبدع، ففي القاهرة تستطيع التواصل مع نجيب محفوظ أو جمال الغيطاني أو يوسف القعيد وغيرهم من خلال مقهى الفيشاوي.

وفي دمشق تعد مقاهي الروضة والكمال ولاتيرنا والهافانا من الفضاءات التي احتضنت ممدوح عدوان ونزيه أبوعفش وسمير طحان وعلي الجندي وأحمد الجندي وليانة بدر وشوقي بغدادي وأحمد يوسف داود وفايز خضور وبندر عبدالحميد وسعيد البرغوثي ونبيل سليمان ويوسف عبدلكي وغيرهم، وفي المغرب تستطيع القبض على محمد شكري في مقهى “الحافة” بطنجة أو محمد زفزاف بمقهى لابريس بالدار البيضاء، وفي تونس يمكن لقاء الكتاب من أمثال الشاعر المرحوم محمد الصغير أولاد أحمد وشكري المبخوت والمنصف الوهايبي والمنصف المزغني في مقهى “الكاليغو” أومقهى “فرنسا” بتونس.

لقد بدأت هذه الفضاءات السوسيو-ثقافية تخمد، وإذا كانت مقاهي الإنترنت (سيبيركافي) استطاعت مع العشرية الأولى لهذه الألفية أن تحقق بعض الحراك السياسي إلا أنها لم تؤسس لظاهرة ثقافية إبداعية بتصورات جمالية جديدة في الأدب والسينما والمسرح والموسيقى.

روائي وأكاديمي جزائري

11