حين كانت سامية جمال ترقص في رمضان لم يكن الجمهور يتضايق

الكاتب الروائي ناصر عراق يقدم في كتابه "السينما المصرية في رمضان" قراءات تحليلية في 30 عاما من السينما المصرية في رمضان.
الأربعاء 2018/06/20
السينما فن مغاير

يقدم الكاتب الروائي ناصر عراق في كتابه “السينما المصرية في رمضان” قراءة فريدة عن علاقة السينما المصرية بشهر رمضان، حيث يغوص بنا عبر رحلة زمنية طويلة في تاريخ السينما العامر بالواقع الغريب. متسائلا هل كانت دور العرض السينمائي تفتح أبوابها في رمضان قديما؟ وهل كان المصريون يشاهدون أفلاما جديدة في رمضان الأربعينات والخمسينات والستينات من القرن الماضي؟ ولماذا لم يعترض أحد على عرض أفلام لسامية جمال وكارم محمود في رمضان 1945؟ وكيف تناول المخرجون طقوس الشهر الفضيل في صناعة أفلامهم؟

 

غالبا ما نسمع باحتجاج هنا أو هناك في الوطن العربي على عمل فني يعتبره المحتجون “خادشا للحياء”، سواء أكان لوحة أم رواية أم فيلما أم غيره من الفنون، حيث يحتشد الكثيرون بشكل أعمى ضد كل تحرر مطلوب في الفن، بحجة الدفاع عن الدين أو غيره من الحجج الواهية النابعة عن جهل مطلق وانعدام الذوق الفني والحرية الفكرية، وهو ما لم يكن موجودا سابقا.

علاقة شخصية

تأتي إجابات عراق من خلال دراسة وثائقية لحقبة من الزمن رصد خلالها رحلة 30 عاما من الإبداع على الشاشة الفضية، وإلى أي مدى نجحت تلك الأفلام في التعبيرعن الواقع المصري بدءا من فيلم “في بلاد توت عنخ آمون” للمخرج الإيطالي فيكتور روسيتي مرورا بأفلام النكبة “فتاة من فلسطين” و”عفريت عم عبده” وهو أول فيلم يشير بوضوح إلى ثورة يوليو.

انطلق عراق من علاقته الشخصية بالسينما، حيث أهدى الكتاب، الصادر حديثا عن سلسلة “كتاب اليوم”، إلى روح شقيقه الأكبر فوزي، حيث قال في الإهداء، “أول من زرع لي جناحين لأطير بهما نحو عالم السينما الساحر”.

ثم استعرض الكاتب في المقدمة كيف فتنته السينما وهو طفل صغير في منتصف الستينات عندما كان شقيقه الأكبر الراحل فوزي يصطحبه معه إلى “سينما المؤسسة” بمنطقة شبرا الخيمة، ليشاهدا أفلام عبدالحليم حافظ وفريد شوقي، وكان ثمن التذكرة في هذه السينما الصيفية موحدا وهو ثلاثة قروش ونصف القرش.

يحتوي الكتاب على فصلين الأول عبارة عن تطواف في أحوال السينما في شهر رمضان بامتداد 30 عاما تبدأ من سنة 1940، وتنتهي عام 1969، حيث يقدم المؤلف قراءة فريدة عن علاقة السينما المصرية بالشهر الفضيل، فيغوص بنا عبر رحلة زمنية طويلة في تاريخ السينما العامر بالوقائع والغرائب، كاشفا عن العلاقات الوثيقة بين شهر رمضان والظروف السياسية والاجتماعية المصاحبة لهذا الشهر من عام إلى آخر، وكيف انعكست تلك العلاقات على صناعة الأفلام.

 كما يشرح لنا عراق كيف تعامل المصريون قديما مع السينما، وهل كانوا يحرصون على ارتياد دور العرض في الشهر المبارك، أم أن دور العرض كانت تغلق أبوابها في ذلك الزمن كما بات يحدث في مصر منذ ربع قرن تقريبا؟

الكتاب دراسة وثائقية لحقبة من الزمن رصد خلالها مؤلفه ناصر عراق رحلة 30 عاما من الإبداع على الشاشة الفضية
الكتاب دراسة وثائقية لحقبة من الزمن رصد خلالها مؤلفه ناصر عراق رحلة 30 عاما من الإبداع على الشاشة الفضية

تابع ناصر عراق بدأب شديد الأجواء السياسية والاجتماعية العامة التي كانت تحيط بمصر في أربعينات القرن الماضي وخمسيناته وستيناته، ويكشف عن أن دور العرض السينمائي كانت تفتح أبوابها للجمهور في نهارات رمضان ولياليه، حيث تعرض لهذا الجمهور الأفلام الجديدة دون أي حساسية، موضحا على سبيل المثال أن منتصف رمضان في عام 1945 شهد عرض فيلم “تاكسي حنطور” الذي لعب بطولته محمد عبدالمطلب وسامية جمال.

جمهور واع

يؤكد المؤلف في تطرقه إلى فيلم “تاكسي حنطور” أن الجمهور تقبل رقص سامية جمال في الفيلم دون تذمر، كما تفاعل مع أغنيات عبدالمطلب المترعة بالغرام والعشق دون امتعاض، لأنه كان جمهورا واعيا يدرك أن الفن الراقي الجميل لا يبطل الصيام.

يتناول عراق في الفصل الثاني من الكتاب أهم الأفلام التي كان لشهر رمضان دور ما في بنائها وتتابع أحداثها، وهما فيلما “العزيمة” (1939) للمخرج كمال سليم، وفيلم “في بيتنا رجل” (1961) للمخرج بركات.

في تناوله لهذين الفيلمين يشير ناصر عراق إلى أن الجمهور تقبل بذكاء وسعادة المشهد الغرامي الساخن بين فاطمة رشدي وحسين صدقي (في فيلم العزيمة) رغم أنه جرى في إحدى ليالي رمضان، ورغم أن المشهد تخللته قبلة ساخنة، ويفسر عراق تقبل الجمهور آنذاك بقوله “إنه جمهور واع عرف كيف يفرق بين التمثيل والحقيقة، جمهور يدرك تماما أن ما يراه على الشاشة مجرد لعبة جميلة ارتضى أن يلعبها الجميع بحب”.

كما يلاحظ ناصر عراق أن بركات، مخرج الفيلم، وهو المسيحي، نقل لنا في فيلم “في بيتنا رجل” أجواء رمضان وطقوسه وكل ما يتعلق به بذكاء شديد، كما عرف كيف يستثمر لحظة الإفطار ليهرب خلالها بطل الفيلم المطارد عمر الشريف من قبل السلطات مرتين: من المستشفى أولا ومن بيت حسين رياض ثانيا.

14