حين لا تنفع "الكليشيهات"

الأحد 2016/04/17

دخل منجي عامل البناء التونسي والملقّب بـ"تشرشل" حانة المدينة كعادته كلّ مساء، أي بكامل أناقته المعهودة، معطف "ترانشكوت" قديم، طاقية مبرقعة ببعض نقاط "الدهن"، وسيجار من ذلك النوع الرخيص.

ألقى التحية بعبارة "هلّو" الإنكليزية دون أن يردّ عليه أحد، ثم التفت إلى طاولة يجلس إليها بعض المنشغلين بالكتابة وقرض الشعر والنميمة الثقافية، وتوجّه إليهم قائلا بثقة وانشراح ولغة فصيحة "التاريخ في ظاهره لا يزيد عن الإخبار.."، وقبل أن يكمل عبارة ابن خلدون الشهيرة التي يسمعها ويحفظها القاصي والداني، من تلك الشارة التلفزيونية اليومية في برنامج "حدث في مثل هذا اليوم"، سحبه النادل بقوة وأجلسه ركنا قصيّا كي لا يزعج "مثقفي الطاولة".

لم تمض أكثر من ساعتين حتى ظهر "منجي تشرشل" مترنّحا، يدفعه النادل إلى الخارج وهو يلتفت إلى طاولة "المثقفين"، و يكمل المقولة الخلدونية بصوت أجشّ ولسان ملتو وثقيل "لكنّ التاريخ في باطنه نظر وتمحيص".

ما أثار انتباهي ودهشتي هو أنّ منجي لم يعد يعرج في مشيته كما دخل الحانة أوّل قدومه؟

سألت عن هذا السرّ الغريب، فقيل لي إنه كان يقلّد مشية ونستون تشرشل، تماهيا مع شخصية الزعيم البريطاني الذي عرف عنه هذه الإعاقة الجسدية الواضحة، إلاّ أنّ لكنة صوته -وبحكم السكر الواضح- قد اقتربت أكثر وشابهت تشرشل في طريقة كلامه.

ربما لم يكن استذكاري لشخصية "منجي تشرشل"، إلاّ ذريعة للتوقّف عند فئة من أولئك الذين يعيشون تحت معاطف وقبعات غيرهم، بل ويتمثّلونهم حتى في عيوبهم وعاهاتهم.

ما أكثر المهووسين بالمقولات الجاهزة والذين يعشقون تلك "الكليشيهات" التي قد تسعف صاحبها أو تسخر منه ولو بالمصادفة، كما حصل مع منجي، لكنها كثيرا ما تخذله كذاك المتحذلق الذي جمع أبناءه ليعطيهم درسا في جدوى الاتحاد والتعاضد، أمرهم بجلب مجموعة من العيدان، جمعها وطالب كبيرهم بمحاولة كسرها، وما أن وصلت حزمة العيدان بين يديه السميكتين حتى قسمها عن بكرة أبيها في حركة واحدة، نظر الأبناء إلى والدهم مستفسرين عن الحكمة فقال لهم “أغربوا عن وجهي، وهل ترك لي هذا الأهوج حكمة”.

24