حين يتحدّى الشاعر انكساراته وخوفه

الجمعة 2015/01/30
الشاعر الراحل مصطفى عبدالله كان واحدا من شعبه وكأنه لم يغادر وطنه أو يبتعد عنه

ينتمي الشاعر العراقي الراحل مصطفى عبدالله إلى جيل الستينات من القرن العشرين، حيث واكب التحوّلات الثقافية والاجتماعية في الساحة العراقية بعد الهجمة الشباطية الشرسة عام 1963. وإثر الهزيمة المرة لقوى اليسار العراقي وكل القوى الوطنية في العراق، كان عبدالله من ذلك الجيل المتمرد والمتفتح على تيارات الثقافة الوافدة إلى العراق بعد تلك الهجمة الشرسة.

كانت هجرة الشاعر مصطفى عبدالله القسرية عام 1978 بسبب الهجمة على القوى الوطنية وقوى اليسار قد وضعت حدا بينه وبين من كان يدافع عنهم، لكنه طور أدواته الشعرية في الغربة فاتسعت رؤيته، واتسعت اهتماماته، وأصبح علما ثقافيا في بلاد المغرب فقد كتب قصصا للأطفال، ونشر قصائده في الصحف المغربية وكتب بعض الدراسات عن أزياء الطوارق، كما كتب سيناريو لفيلم رسوم متحركة بعنوان “زيدان الصياد”، بالاشتراك مع الكاتب المغربي إدريس الصغير.


خطاب تحريضي


دأب الشاعر، خلال هجرته الطويلة عن الوطن، على تأمل حجم الفجيعة والخراب الذي حل بوطنه ومواطنيه، وإلى تأمل عمق الجراح التي أتت على المعالم الإنسانية في النفس العراقية الجمعية، مقتربا من أسبابها مخاطبا الذات المنكسرة وفق آليات خطاب هذا الانكسار: الاعتراف به، محاورة السيد الأقوى من موقع أدنى، استخدام وسائل التبجيل والتفخيم ثم الإسهاب في تجسيد وتصوير حجم قسوة الآخر على هذه الذات وتداعيات هذه القسوة عليها.

تحوّل خطاب الشاعر مصطفى عبدالله من خطاب تحريضي يمتلك أسباب الرفض والتمرّد، إلى خطاب تأملي وحسي بحجم هذا الانكسار وقد تميز بالشفافية والحزن الإنساني المتعالي على الجراح والآلام. ولم يكن ذلك استسلاما من الشاعر أو اعترافا بالهزيمة كمصير نهائي، بل إن هذا الخطاب سياحة حية في عمق الذات المكابرة التي تتلقى القسوة والعنف باللامبالاة، ترتب لها كيانا شفافا -في علبة للسكاير- لا تخترقه سهام الخراب ولا تلويه أو تشوّهه، وهو نوع من مكابرة الذات عاشها العراقيون طيلة أيام المحنة التي استمرّت أربعين عاما وكان الشاعر الراحل واحدا من شعبه، وكأنه لم يغادر وطنه أو يبتعد عنه.

ولعل القارئ المتمعن في نتاج هذا الشاعر (توفي سنة 1989) سيجد تلك الشفافية وذلك الحزن الشفيف وسيتعرف في نفس الوقت على عمق هذا الخطاب وجماليات تشكله بمجازات مبتكرة وأدوات تعبيرية خاصة تستحق الدراسة والـتأمل في بنيته وما تنتجه من دلالات مؤثرة. نشير بشكل خاص إلى قصائده “الأجنبي الجميل” و”سيدي الصمت” و”سيدي الزمان” و”سيدي الخوف” و”يا خلوة التابوت”.

الإقامة على مكابدة الآلام والتسليم بالسيادة بالبوح أكسب الذات المقهورة مناعة تتجاوز هذه الآلام والمنغصات

نتخذ من قصيدة “سيدي الخوف” أنموذجا قرائيا لهذا النوع من الخطاب الشعري، للتعرف على بنيته، وعلى جماليات التشكل فيه. من المقطع الأول للقصيدة نفاجأ بتسليم وإقرار لسيادة “الخوف” من قبل الذات الساردة، وهي تسرد معاناتها بضمير الأنا لتكشف عمق هذا التسلط في فضاء القصيدة ابتداء من عنوانها وحتى المقاطع الأخيرة منها.

ويتأكد هذا التسيّد ويتعمق بذلك التكرار المتعمد والملفت للنظر لأداة الجواب “نعم”، التي تظهر في فضاء القصيدة لازمة صوتية ومكانية تشغل حيزا كبيرا، إذ تتكرر إحدى عشرة مرة موزعة على مجموع مقاطع القصيدة الستة.

إن الاعتراف بسيادة الخوف باعتباره كائنا يجسد الرعب ويشل القدرة، ثم مخاطبته بلهجة التبجيل والاستجابة لفعله سيقترن بوجهة نظر مخالفة لهذا الاعتراف، تسجله الذات المنكسرة بصورة حيادية، ويتجلى ذلك بالكشف عن السطح المخادع الذي يتستر خلفه هذا الكائن مجسدا بقرينة التمساح- التماسيح متمثلا بكناية “دموع التماسيح” التي تعمل كغطاء وقائي لأعمال الفتك والتخريب، يقول الشاعر: “نعم، سيدي الخوف/ رأيت دموع التماسيح فوق الطحين/ تحسست أنيابها في زحام العجين/ نعم، جاسني بردها فاستعذت بها مرتين”.


تصاعد الدراما الشعرية


إن تصاعد هذه الدراما “الشعرية” يتمّ وفق آليات خاصة، لا علاقة لها بمصطلح الدراما، إنها فضح مركز لاقتحام الآخر المسمى بالخوف أو بقرينه المجسد، على الذات المتأملة لهذا العذاب، دون قدرة على صدّه أو مقاومته، ويجري فضح كل ذلك بكنايات دالة، يستبدل فيها الشاعر وسيلته البلاغية والإبلاغية، بوسيلة أخرى، وذلك باللجوء إلى استخدام الكناية بديلا عن المجازات الأخرى لتجسيد هذا الكائن الخرافي، العصي على التعريف، كي يصبح كائنا محسوسا.

مصطفى عبدالله: بابي على حفرتين/ وهذي ضلوع العبارة/ يجبرها الجبس/ مرفوعة كالجبين

ويتضح هذا التجسيد باقتران دال بين الخوف “والتمساح- التماسيح” فكلاهما كائن غامض، مختف عن الأنظار، يتربص بالآخرين ليفتك بهم في لحظة يقررها هو؛ إن بين الخوف والتمساح صفات مشتركة وفق ما وصفناه.

إن استخدام الكناية في هذه القصيدة من البناء السردي يراكم الصور المجاورة، وصولا إلى كناية أكبر. ولإنجاز ذلك تداخلت الجمل الاسمية والفعلية، فأسبغت على القصيدة حركة ذات اتجاهين: الأولى تجاه العنوان صعودا حيث تتركز سلطة الخوف وتترسخ، والثانية تجاه نهاية القصيدة بنسق مخالف يتخذ من الإجراءات الاحترازية موطنا، ثم ينمو بشكل غير ملحوظ لتسجيل موقف مفارق يبدأ باعتراف الذات الساردة بالتمرّد: “مرة قلت كلا، فكاد لساني يضيع”.

إن الإقامة على مكابدة الآلام والتسليم بالسيادة بالبوح قد أكسب الذات المقهورة مناعة تتجاوز هذه الآلام والمنغصات على الرغم من سيادة الشكوى على معظم مقاطع القصيدة، غير أننا نلاحظ أن التعامل مع الثنائية التي تتجه صعودا مكرّسة للألم والشكوى، قد صيغت صياغة لغوية يغلب عليها العودة إلى الماضي والإقامة فيه، وكأنه ماض قد استنفد فعله وانتهى ويتضح ذلك بدلالة استخدام مقصود للأفعال الماضية.

في المقطع الأخير من القصيدة، الذي يقول فيه: “نعم، إنه حائطي/ وبابي على حفرتين/ وهذي ضلوع العبارة/ يجبرها الجبس/ مرفوعة كالجبين”. وهو مقطع قصير ومكثف، يعمد الشاعر مصطفى عبدالله إلى تسجيل موقف مفارق لما ألفناه في المقاطع الأخرى من القصيدة، يمثل موقفا منفتحا نحو عمق فضاء القصيدة، وبحركة نفي وانفلات من أسر الشكوى والألم باستثمار الكلمات نفسها، ولكن بسياق جديد تكتسب فيه معاني جديدة ودلالات تشي بالانفتاح والتمرّد على الفضاء الخانق.

14