حين يتخشب الداخل

السبت 2016/09/24

لا يبعدنا عن التلقي والتعامل مع النص الأدبي الأمية وما هو اجتماعي فحسب، لأن الإنسان الذي يشتري البطاطا والبصل، بإمكانه أن يوجد للكتاب والجريدة مكانا ضمن هذا اليومي الخانق. لكن يغلب ظني هنا أن القراءة لم توضع كأفق استراتيجي لتكوين وتصليب الشخصية من الداخل، لتكون فاعلة بفعلها وتحركاتها ضمن اكتظاظ المجتمع. فبدون وعي وشقائه، تتحول الشخصية تلك، إلى كثلة لا بوصلة لها، ولا دراية بأفعالها متعددة الاتجاهات. وإذا انضاف للأمر الأمية الثقافية أي انعدام الحد الأدنى من المعرفة الأدبية والفكرية، يبدو المبدع وفق هذا التصور، مجرد لاعب باللغة والمشاعر والتصورات.

النص هو تشكيل متعدد المظاهر والطبقات بين ما هو نفسي واجتماعي وفكري، وهو ما يطرح النص كحياة ـ داخل الحياة العامةـ ذات أبعاد عدة بما فيها البعد الفكري من خلال إعادة البناء والغوص. وبدون عدة يكون البناء أعمى، والغوص بلا عمق أو رؤيا. وكذا البعد التربوي في أبسط تحليلاته إذ يمكن تحقيق هذا البعد من خلال القراءة بصوت مرتفع ضمن الجماعة ولو لوحدك. وفي ذلك كشف للذات، بل أكثر من ذلك التفكير بصوت مرتفع يحررنا من المكبوت والجهر به عبر ناي الكتابة عميق اللحن. كما أن الصوت في معناه الأعمق هو الحياة الفعلية للنصوص بمختلف ألوانها، الصوت المرادف للحياة والتجلّي. هذا فضلا عن البعد اللغوي، لأن النص يهدف إلى تجديدها وتطويرها نحو ما هو إنساني، وتنمية الأرصدة في الذوق والتعدد الخلاق.

ينهض النص على الخيال والوجدان والكلمة الخلاقة أي التعبير الإيحائي الجميل، فهو يخاطب الداخل ويثير فينا المحيط بالأخص الخلل بطريقة غير خطابية، والغايات كثيرة منها تفعيل خزان الوجدان وتمديد الخيال وتوسيع اللغة كسؤال وإبداع. وليست كقاموس وضوابط حتى نستطيع تصليب عودنا الجسدي أمام أي حملة طامسة. بهذا المعنى، فالنص تثوير للداخل، وبمعنى آخر، فكائنات النص كامنة في الإنسان وتنتظر الانطلاق. وكلما كان المناخ ملائما، نتقدم في الهواء أكثر للالتصاق بالامتلاء، لكن بحرارة أكثر، وسفر أعمق.

بناء عليه، فالنص على صلة قوية بالداخل، داخل الإنسان الذي تكون معه الكتابة الإبداعية كبحث عن الامتدادات في الحياة والوجود عبر الإنسان كجسر لذلك. وعليه فإننا نجني على النصوص حين نبعدها عن محيطها الأصل، ونترك أمرها للمؤسسة التربوية والثقافية في البرمجة والمنهجية. فالتلقي الجمعي عليه أن يتم ضمن شرط موضوعي خال من الاحتكار المعرفي والهيمنة في الطرح والتوجيه. بل حتى الكتّاب ينتظرون اليوم من يقدم أعمالهم عبر مقدمات وتسطير الأغلفة، ليأتي الكتاب عبر موكب دون أن نترك الأمر للقراء والتاريخ الذي ينصف أو يرمي لمزبلته التي تسع الكثير من الممارسات العاقة. وهو ما يؤكد أن التآمر على النص، يأتي من جهات عدة، بما فيها جهة الكتاب أنفسهم الذين ينتصرون لبعضهم البعض في صداقات دائرية تبعد حقيقة الأدب، وتتحايل على الحقيقة العامة التي لا دليل مقنع لها ولا تحليل.

البعض يتحدث الآن في درس الأدب عن الخطاب المقدماتي، أي التوقف حول ملامح معينة في مقدمات الكتب قديما وحديثا، مقدمات يبسط فيها الكاتب مفهومه وآليات عمله. أما الآن، فأصبحنا أمام تقديمات أخرى، بمثابة دعوات للكتب. في هذه الحالة يمكن التعامل في تقديري مع هذه الحواشي كإضاءات غير موجّهة للقراء، إضاءات يمكن نفيها أو الاستئناس بها. في كل الأحوال، ينبغي أن يتحلّى المقدمون وبالأخص المعروفين بخصالهم العلمية وتواجدهم الدؤوب على الساحة بشيء من الموضوعية، لأن الصداقات في الحياة غيرها في الكتابة. فكثيرة هي أعطاب الجسد في الحياة التي تمتد للكتابة بكيفيات مقنعة.

لكلٍّ نصُّه، يتغذى عليه بكيفية واعية أو غير ذلك، ولكل نص نصوصه الغائبة. وهو ما يقتضي الوعي بضربات هذه النصوص التي تشكلنا، وتتركنا في وعي ما، له مقاساته دون أن ندري!

كاتب من المغرب

16