حين يتقدم الفاسدون مسيرات النضال الإنساني

إيران التي لا أحد في إمكانه أن يفسر بأي حق يهيمن رجال الدين على البنية العقلية لشعوبها لا بد أن يكون الفساد قد اخترق مفاصلها حتى وصل إلى العظم، بحيث يحتكر جاهل بأمور الدنيا مثل خامنئي القرار السياسي فيها.
السبت 2020/06/13
الثورة على الفساد والفاسدين مستمرة

يجمع سياسيو الدول الفاشلة من مثل العراق ولبنان على أن الفساد هو السبب الذي يقف وراء ذلك الفشل. وهو فشل يجعل من تلك الدول موضع سخرية. كأن تلجأ دولة ثرية مثل العراق إلى الاقتراض من أجل تسديد رواتب موظفيها أو تجد مصارف دولة عُرفت بأمنها المصرفي مثل لبنان نفسها غير قادرة على الاستجابة لطلبات المودعين.

مشكلة أولئك السياسيين أنهم يشخصون أسباب ذلك الفشل غير أنهم يقفون عاجزين أمام وضع حد لتلك الأسباب. فهم إذ يرجعون الفشل إلى الفساد لا يمكنهم الاعتراف بأن ذلك الفساد كان ولا يزال من صنعهم. لا يمكنهم النظر في مرآة الفساد لأنه لن يروا سوى صورهم. ستكون تلك محنة سياسية تضاف إلى سلسلة محن البلد. حينها سيضحكون لأنهم يعتقدون أن المرايا تخون الحقيقة.

لا أحد من الفاسدين وهو في السلطة يمكنه أن يرى نفسه خائنا للنزاهة.

غالبا ما يقول السياسيون والحزبيون حين يغادرون السلطة “لقد أخطأنا”. وهو اعتراف لا قيمة له. ذلك لأنه لا يضع حلا للمشكلة التي لا تزال قائمة، فهو يأتي بعد فوات الأوان.

هناك تراث من الفساد وسلالات من الفاسدين.

ما يُخيف في تلك الظاهرة أنها قد تسللت إلى المجتمع باعتبارها فايروسا فأصيب المجتمع كله بوباء الفساد. المجتمع كله صار فاسدا. هناك استثناءات لن يكون أثرها واضحا وستكون مجرد بؤر مهزومة.

يرتكب السياسيون جريمة في حق المجتمع حين يظنون أن الصلح مع فسادهم لن يتم إلا حين يكون المجتمع كله فاسدا. تلك جريمة مضافة. تطبيع الفساد هو أسوأ من الفساد. وهو ما يجري من أجل أن يحمي الفاسدون أنفسهم. لقد تم إهدار أموال كثيرة من أجل أن يكون الفساد حالة طبيعية.

ثقافة الفساد مكلفة بل هي أكثر كلفة من أرقى الثقافات.

تلك ثقافة تضم مجموعة هائلة من المعلومات الملفقة المراد منها صناعة واقع افتراضي بديل للواقع الذي تقره الحقائق اليومية. ثقافة من شأن ترسيخها أن يصل بالشعوب إلى حالة من الرثاثة العقلية التي لا تتناسب مع تطور التقنيات التي تستعملها تلك الثقافة في نشر مفرداتها.

فدولة مثل إيران والتي لا أحد في إمكانه أن يفسر بأي حق يهيمن رجال الدين على البنية العقلية لشعوبها لا بد أن يكون الفساد قد اخترق مفاصلها حتى وصل إلى العظم، بحيث يحتكر جاهل بأمور الدنيا مثل خامنئي القرار السياسي فيها. يكفي المرء هناك أن يكون متفقها بالأمور الدينية لكي يحظى بتلك المكانة التي من المعقول في الوضع الطبيعي ألا يحظى بها رجل دين.

تلك ظاهرة شاذة ألقت بظلالها على الدول التي جعلها سوء حظها جزءا من المشروع التوسعي الإيراني.

فحسن نصرالله صار لا يكتفي بالتحكم بمصير لبنان عن طريق القوة بل دأب ومنذ سنوات على أن يوجه نصائح في علم السياسة من مخبئه السري. ما كان ذلك ليحدث لولا أن لبنان دولة فاسدة تمكن الفساد من الجزء الأكبر من السلوك الشعبي فيها.

لذلك فإن الأزمة المالية التي يعيشها ذلك البلد كانت متوقعة الحدوث في أي لحظة، لا لأن حزب الله قد استولى على مفاتيح النظام المصرفي حسب بل وأيضا لأن القبول بذلك الاجتياح غير القانوني كان جزءا من ثقافة تم تكريسها على المستوى الشعبي.

وإذا ما ذهبنا بعيدا، إلى فنزويلا بالتحديد. ينظر البعض إلى تلك الدولة باعتبارها نموذجا للثورة الدائمة. لا يقيم ذلك البعض المتحمس لأفكاره الثورية وزنا للمعادلة التي يشكل طرفيها دولة ثرية بالنفط وشعب فقير من أجل ألا يعترف بأن هناك فسادا يفوق المعدلات الطبيعية يفتك بتلك الدولة التي ابتليت بكراهية الولايات المتحدة.

ثقافة الفساد تجعلنا لا نرى الحقيقة بكل وجوهها.

فنزويلا دولة يحكمها الفساد وما انتشار الجريمة المنظمة إلا انعكاس لفساد أجهزة الدولة. لا تنفع الشعارات المعادية للإمبريالية العالمية في التغطية على ذلك الفساد.

المؤسف في الأمر أن الأحزاب والتيارات السياسية التي ترفع شعارات ضد الولايات المتحدة باعتبارها رأس حربة النظام الرأسمالي هي التي أشاعت ثقافة الفساد فصار المرء يشعر كما لو أن النضال من أجل إقامة نظام عالمي عادل قد سممه الفاسدون وألحقوا بسمعته ضررا لا يمكن أن يُمحى.

9