حين يتمرد جاسوسنا الداخلي

الأربعاء 2014/02/19
لكل إنسان عالمه الخاص المليء بالأسرار والأحداث

القاهرة - لكل إنسان عالمه المليء بالأسرار يتحكم فيه حتى لا تخرج أسراره لشخص آخر، إلا أن هذه الأسرار يمكن أن تتسرب من بين يديك ودون إرادتك وتخرج إلى العلن، أحياناً أثناء النوم أو تحت تأثير المخدر “البنج” بعد إجراء عملية أو غيرها من لحظات تغييب العقل المتقد ليحل محلها العقل الباطن.

لكل منا جاسوسه الداخلي الذي يتمرد عليه في لحظة غفلة، “غفلة الرقابة” حين تفقد السيطرة عليه ويبوح بمعلوماتك وأسرارك دون استئذانك أو مشاورتك، فتنساب المعلومات لغيرك وتصبح في موقف بين الخشية والرجاء في تعاملاتك، ولكن تلك الأسرار إذا لم نتعامل معها بعلانية وأفق مفتوح فقد تفقدك بعض أصدقائك أو تدمر أسرة وتفرق بين زوجين ليس لخطورتها في حد ذاتها ولكن لعدم إدراكنا في التعامل معها.

تقول (هناء .م) التي فضلت عدم ذكر اسمها: “ذات ليلة كنت نائمة وفوجئت به يوقظني بشدة، وحينما أفقت سألته عن السبب فوجدته في حالة غضب شديد واتهمني بالخيانة لمجرد أنني تفوهت أثناء نومي باسمي زميلين لنا في العمل؛ وهو يعرف أنهما على خلق ويشهد لهما الجميع بذلك، ومن لحظتها وهو يتعامل معي بجفاء شديد كما بدأ أسلوبه يتغير معي، فآثرت في البداية تجنب المشاكل وعدم الحديث معهما إلا في حضوره وفي أضيق نطاق.

ومن شدة غيرته أصبح التفاهم معه صعبا ووصلنا إلى طريق مسدود أثرت المشاكل بيننا على صحتي وأصبت ببعض الأمراض وإلى الآن ما زالت هذه المشكلة معلقة بيننا”.

وضعنا هذه الظاهرة على طاولة الدكتور أكرم محمود أستاذ علم النفس، لتشخيص أسباب ظهورها ومعرفة كيفية التخلص منها فوضح أن لكل إنسان عالمه الخاص المليء بالأسرار والأحداث التي ربما لم يصارح بها أحداً سواه أو أشخاصاً معدودين أو ربما يعلمها الكثيرون؛ وأن عقل الإنسان به ذاكرة تتسع لتخزين الكثير من الأحداث والتجارب ويتوقف مدى الاحتفاظ بها على مدى قوتها ودلالتها لديه وعوامل أخرى كثيرة.

علينا أن نتفهم طبيعة وحدود ما تعبر عنه هذه الكلمات باعتبارها خبرات ماضية، ومادامت لا تخل بالسلام الاجتماعي للأسرة فلا ضرر منها

وتنقسم الذاكرة إلى ثلاثة أنواع: قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى وإذا مر بإحدى التجارب الفاشلة في حياته يحاول التخلص منها إما بالنسيان أو إيداعها في الذاكرة وتظل طي الكتمان؛ خاصةً إذا حدثت له تجربة متناقضة معها عندها تبدأ في الضغط عليه لكنه يحاول عدم السماح لها بالخروج حتى لا تذاع فتدمره أو تهدد استقراره وتوازنه النفسي والاجتماعي لكنه في حالتي النوم والمرض مع بعض الأشخاص قد تتسرب هذه التجارب إلى العلن في شكل عبارات يتفوه بها دون وعي.

وهذه الظاهرة عملة ذات وجهين أحدهما إيجابي من خلاله يحاول الإنسان الترويح عن نفسه بالتخلص من ضغوطها ويتساوى فيها الرجل والمرأة على حد سواء، والآخر سلبي لأنها قد تمس شريك الحياة فتتسبب في مشاكل تهدد الحياة الزوجية.

لكنه يشير إلى أن النساء في هذه الظاهرة أكثر إفصاحاً عما لديهن لأنهن لا يحتملن ضغوطاً كالتي يتحملها الرجل في ظل مجتمعنا الذي عوّده على ذلك، ورغم ذلك فالمرأة أكثر تسامحاً مع الرجل إذا أخفى عنها، في مجتمعات شرقية تغرس فيها ضرورة حفاظها على حياتها الزوجية، لأنها إذا انهارت تظل محل اتهام وشك وتعاني الكثير وهو ما يمكن الإشارة إليه بظاهرة “جلد الذات”.

ويضيف: “هذه الكلمات كما اتفقنا عبارة عن إشارات تعبر عن خبرات وتجارب في طي الكتمان وقد تتسبب في إصابة صاحبها بكثير من الأمراض كالكبت أو الإحباط والاكتئاب أو الانفصام في الشخصية و(الشيزوفرينيا) سواء البسيطة أو المركبة، ولذلك نقترح وجود هامش كبير من الشفافية بين الزوجين وإذا كان الأمر لا يمس الثوابت الدينية والأخلاقية فلابد أن نكون أكثر تسامحاً.

النساء أكثر إفصاحاً عما لديهن لأنهن لا يحتملن ضغوطا كالتي يتحملها الرجل في ظل مجتمعنا الشرقي

ومن وجهة نظر أخرى يرى الدكتور مهدي القصاص أستاذ علـم الاجتماع بجامعة المنصورة أن النظام الاجتماعي الصارم لا يتسامح مع الحياة السرية الخاصة؛ لا سيما المرأة، ويسلبها حقهـا في هذه الخبرات في أضيق نطاق في ظل ارتباطها بسياق وظروف اجتماعية معينة، حيث يقول: “لقـد درج العرف الاجتماعي لدينا في مجتمعاتـنا الشرقية ذات الثقافة الذكورية على وجـود قدر من التسامح مع الرجل في هــذا الشأن أكبـر مـن مثيلـه المتـاح للفتـاة والـمـرأة، ومـن الصعـب الفصل بـين الجانبين النفسي والاجتماعي لأنهما وجهـان لعملـة واحـدة هـي الإنسان الذي له عالمه السري، فإذا لم يتعـامل معه بذكاء اجتماعي لن يضمن له استقـراراً على مستويات ثلاثـة: ذاتياً وأسريـاً ومجتمعيـاً أو بطريقة غير مباشرة بأنمـاط السلـوك والعـلاقات الاجتمـاعية خاصة مـع الآخرين، ونقصد بهم الذين تمسهم هذه الخبـرات في صـورة كلمـات سواء أثناء المـرض أو النـوم وتحديـداً شركـاء الحيـاة”.

ويضيف: حتى لا يصبح كل منا جلاداً للآخر علينا أن نتفهم طبيعته وحدود ما تعبر عنه هذه الكلمات باعتبارها خبرات ماضية وأنها مادامت لا تخل بالسلام الاجتماعي للأسرة فلا ضرر منها.

21