"حين يشبهك الغجر" التمرد السلس على اللغة

الشعر يسير في المقدمة دائما بينما اللغة هي من تقتفي أثره في شقه للمجاهل والعتمات والصباحات للأماكن والأزمان، لا قيد عليه، ولا شيء يرده عن رحلته الأبدية في اتجاه الجمال الأبدي الأخاذ. إنه إيقاع مختلف، على أصواته تتجدد اللغات وينفتح الخيال على المطلق.
الثلاثاء 2015/08/25
الشاعر سمح لنفسه بإقصاء الترقيم عن نصه

يشكل جديد الشاعر الفلسطيني علاء نعيم الغول “حين يشبهك الغجر”، الصادر عن دار الكلمة في قطاع غزة، إضافة عددية للدواوين التي صدرت له مؤخرا، إذ يختتم به مشروع الألف قصيدة، الذي عكف عليه خلال السنوات القليلة الماضية، ويتشارك مع المنتوج السابق في مجموعة القيم التي يتأسس عليها الفعل الشعري لدى الشاعر.

ولعل أهم هذه القيم فعل التداعي وما يحتويه من بوح ووصف، فالشاعر مسكون بقول الشعر دون توقف، وتراه ينتقل في القول من هنا إلى هناك، ومن حدث إلى آخر، ومن تأمل إلى مثله، من غير بناء يشيّد، أو موقف يحدد، إنها مجرد خواطر تومض وتمضي.

وعلى امتداد 105 صفحات، هي مجموع القصائد دون حواش، سمح الشاعر لنفسه بإقصاء الترقيم عن نصه، باستثناء نقطة يتيمة في نهاية القصيدة، سمح لنفسه بالتمرد على اللغة التي يعشقها ويعشق جمالها وسحرها؛ إنه لا يريد وقفا حتى لو كانت لالتقاط الأنفاس، ولا يريد فصلا ولا علامات، فطريق التداعي والبوح لا وقف فيها ولا فصل ولا علامات.

إن الشاعر يطرح تعديلا على النظام اللغوي، يتمثل في ترك الترقيم لذهن القارئ، فيحدد وحده بداية المعنى ونهايته، لكن هذا التمرد اللغوي سيفشل مع التزام القارئ بالنظام اللغوي، وتحديد المعنى تبعا له، وكأن الشاعر يواجه طواحين الهواء حين يواجه المعنى ويتركه ملتبسا.

إن ما حكم تمرّد الشاعر على اللغة هو فعل التداعي، فجاء التمرد فروسيا نبيلا من حيث الشكل فقط، ليتفق مع العاشق الهادئ الفارس الذي يقدمه الشاعر خلال تداعيه المنداح بلا حدّ ولا فاصل، في انسجام مع الإيقاع الدائري الذي يحكم التفعيلة ومسارها. فحين تقرأ قصيدة كما يريدها لك الشاعر، دون توقف أو علامات، ستجد نفسك في دفقة إيقاعية تبدأ بعد العنوان وتنتهي مع النقطة اليتيمة، دون إنهاك أو إرباك، فاللغة مترافقة بانسيابية عالية مع الإيقاع وفعل التداعي والمضامين النبيلة، مع الغلبة للتداعي الإيقاعي الذي صبغ النص.

15