حين يصبح الأسد جزءا من صفقة

الخميس 2015/10/01

رغم الضجة الإعلامية التي أعقبت تصريحات مسؤولين غربيين عن إمكانية إشراك بشار الأسد في حكومة انتقالية والاحتفاء، منقطع النظير، الذي أولته وسائل إعلامية لمثل هذا التغير بالموقف الدولي من الأسد، وبطبيعة الحال فقد كان النظام وحلفاؤه أكثر المستبشرين خيرا بهذه النتيجة التي وصلوا إليها بعد قرابة خمس سنوات من القتل والتدمير والتشريد، إلا أن التفصيل الأهم، والذي يبدو أنهم غفلوا عنه أو تجاهلوه عن قصد، هو أن الأسد تحول من محور أساسي في قضيتهم، وخطا أحمر كانت رسمته القيادة الإيرانية مرارا وتكرارا، إلى جزء من الحل تتم مناقشته واقتراح الطرق المثالية لإنجازه.

ولعل الوجود الروسي الذي بات علنيا وغير مستتر على الأرض السورية لا يمثل، بأي حال من الأحوال، قتالا بالنيابة عن الأسد، وإن كان في ظاهره يبدو حفاظا عليه، إلا أنه هو الآخر مرتبط بمعطيات على الأرض لا يريد الروس الانجراف فيها، ولا التورط أكثر في تفاؤلهم بإمكانية إعادة تعويم الأسد وإن من الباب الواسع المفتوح على مصراعيه عالميا، أي باب محاربة الإرهاب وتنظيم داعش على وجه الخصوص، الذي يشكل بدوره الشغل الشاغل لإدارة باراك أوباما الفاشلة في اجتراح حلول مناسبة للمنطقة، والمحرجة أمام نجاح إزالة الحوثيين من اليمن، وهذا الأمر بالذات يجري بطريقة مدروسة ومنظمة، وقد بدأت ثماره تجنى عسكريا أولا وسياسيا ثانيا، في الوقت الذي عجز فيه التحالف الدولي عن تحقيق أي إصابة مباشرة، أو حتى التمكن من تدريب مقاتلين على الأرض لوقف تمدد تنظيم داعش.

وما دام الأسد قد أبدى بشكل مباشر أو غير مباشر من خلال قبوله بالوصاية الروسية عليه أن يكون جزءا من الحل، لذلك فإن عليه أن يمتثل بالضرورة لما ستؤول إليه الأوضاع ولما يمكن الاتفاق عليه، سرا أو علانية، بين المتباحثين إن على هامش الجمعية العامة أو في أروقة دبلوماسية أخرى. وهو بطبيعة الحال لن يكون قادرا على الرفض ما دام بات تحت الوصاية، ولا يمكن أن يصدر أي قرار بعيدا عن أوصيائه الشرعيين، وباعتراف أممي، تمثل في تخصيص الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مساحة لا يستهان بها من خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة للحديث في الشأن السوري، وتحديدا للدفاع عن بشار الأسد.

لكن بوتين بالمقابل يدرك أن الأسد لا يمتلك أي وسائل تدعم بقائه دون إسناد مباشر من قبل حلفائه، وما الحديث عن قدرة الجيش السوري سوى سياق عابر يدرك الجميع عدم واقعيته، فالجيش الذي تعرض لعشرات الهزائم المتلاحقة في مختلف المعارك التي خاضها، وآخرها معركة الزبداني، لا يمكن بأي حال التعويل عليه لمقاتلة تنظيم داعش الذي تفوق في مرات سابقة على قوات الأسد، وجعلها تندحر أمامه.

وإذا كانت روسيا مقتنعة حقا بضرورة الوصول إلى حل سياسي في سوريا، فإنها بالمقابل تدرك أن هذا الحل لا يمكن فرضه مع الإصرار على بقاء الأسد في السلطة، في ظل وجود ثورة شعبية ضده، تريد موسكو تجاهلها والإيهام بأنها غير موجودة، لكنها تعلم تماما أن هذا الكلام ليس صحيحا، وأن ثمة الملايين من السوريين الذين لن يقبلوا بقاءه، وأن قوى إقليمية كبرى لن تقبل بمثل هذا الاقتراح، وموسكو بطبيعة الحال حريصة على خطب ود تلك القوى في ضوء أزماتها الاقتصادية التي لن يخرجها منها وقوفها إلى جانب الأسد وهي لن تقدم شيئا دون مقابل.

إذن لا بد من صيغة مناسبة تجعل من الأسد جزءا من صفقة لاحقة قد يتم التحضير لها، وبالنتيجة حثّه على الانسحاب بهدوء ومغادرة السلطة، طالما أن الأمر ممكن قبل أن تتطور الأمور أكثر ويصير لزاما على روسيا التورط أكثر، وهذا ما يراجع الكرملين نفسه بشأنه مئات المرات قبل أن يقدم عليه، وهو يضع نصب عينيه ما حدث غير بعيد في أفغانستان.

كاتب سوري

8