حين يصوّت سعد الحريري لميشال عون رئيسا

الجمعة 2014/05/02

في نفي أوساط تيار المستقبل في لبنان المتكرر لاحتمال تأييد سعد الحريري لميشال عون رئيساً ما يشبه الشبهة التي تحتملُ التحوّل إلى واقع. وفي نفي تلك الأوساط لما يمكن أن يُقدِمَ عليه زعيمهم ما يُشبه إبعاد العلقم الذي قد يوحي به الشيخ في فتح طريق بعبدا أمام الجنرال. تعملُ الأوساط جاهدةً على ضبط عربة “الحريرية” على سكة 14 آذار وهي التي تهتزُ موحية بالـ”انحراف” تأثراً بعواصف تأتي من خارج الحدود.

أن يمنحَ الحريري “عون” تأييداً احتمالٌ يجوز فيه النفي. على هذا، لم يعدْ الأمرُ محرّماً ينتمي إلى الغيبيات، بل أضحى خياراً قابلا للنقاش، حتى لو كانت الأوساط تستبعد حدوثه.

وإذا ما كانت مؤسسة تيار المستقبل حريصةً- بخجلٍ- على إضاءة المنبهات التي تؤشّر لاستمرار تواجدها الطبيعي داخل خيارات الحلف الآذاري، فإن حكايات السياسة مليئةٌ بالانقلابات التاريخية التي تُمارسُ باسم المصالح، التي لطالما أطاحت بالمبادئ وسذاجتها (الأمر بدأ يقلق برّي وجنبلاط إلى حد إرسال الوزير وائل أبو فاعور للحريري لاستطلاع الأمر).

احترم سعد الحريري رغبة ميشال عون في إبقاء لقائهما الباريسي قبل أشهر طيّ الكتمان. وإذا ما كانت رغبةُ الجنرال تنمُّ عن حرص على عدم إثارة شكوك حزب الله في تواصل يقيمه مع زعيم المستقبل، فإن احترام الأخير لرغبة الجنرال، مع ما سببهُ أمر ذلك من حرج داخل “الأوساط”، وما أثاره الاحتمال من لغطٍ لدى الحلفاء، يطرحُ أسئلةً حول ما يقفُ وراء تسهيل اللحظة العونية- الحريرية وصون حظوظها.

ثم لماذا التهرّبُ من مفاجآت محتملة صاعقة؟ وهي التي لاحت تباشيرها في العلامات التي أسست لتشكيل حكومة تمام سلام. ألا تمهدُ الانعطافة الكبرى لانعطافات صغرى؟ تخلى سعد الحريري عن “فيتو” التعايش مع حزب الله في حكومة مشتركة. أسس ذلك لمداولاتٍ جدية خصّبت عملية التشكيل وأزالت أسباب عقمها.

ثم بدا أن ولادة الحكومة تُربكها زوايا نافرة عملَ الشيخ والجنرال على تدويرها. في ذلك أن تمرينَ التعايش والتعاون، ولماذا لا التحالف، بات واقعاً مجرّباً لا شيء يمنعُ تواصله وديمومة حيويته في احتمالات الرئاسة.

على أن “الحنان” الطارئ في علاقات حزب الله وتيار المستقبل يوحي باحتمالاتٍ كانت، قبل أشهر، خارج نطاق العقل. وفق تلك العلاقات “الطيبة” تتمُّ صياغة البيان الوزاري، ويتمُّ تمرير خطة أمنية كانت مستحيلة قبل ذلك، كما ينجحُ وزير الداخلية المستقبليّ نهاد المشنوق في تطبيق خطة لإخلاء أهالي قرية طفيل اللبنانية داخل الأراضي السورية، من خلال إشراكٍ مثير للجدل لوفيق صفا (مسؤول الارتباط الأمني في الحزب) في وضع تفاصيلها. يتبادلُ الطرفان رسائلَ الاعتراف المتبادل متجنبين ما هو استفزاز وما يمكن تعكير أجواء يُعمل بحرفية على تنقيتها.

قيلَ الكثير عن حوافز حزب الله في اعتماد مناوراتٍ وفاقية مع تيار المستقبل. قيل أن الحزبَ يرومُ الاحتماء داخل المظلةِ الحكومية من تداعيات تورّطه داخل سوريا وانطلاق أعمال المحكمة الدولية بشأن اغتيال رفيق الحريري. وقيل أن تراجعَ الحزب عن شروطه الحكومية دفع الحريري لمبادلته التراجع والخروج بخلاصةٍ فاجأت “المستقبليين” كما “الآذاريين”. لكن للحزب أيضاً هواجسه بشأن ساكن بعبدا المقبل، كما مخاوفه من فراغٍ رئاسي يُعكرُ كل “الروتين” المؤسساتي الذي تعوّد التعامل معه.

كان لافتاً هدوء الحزب إزاء ترشح سمير جعجع، قبل وبعد أن أصبح، مرشح تحالف 14 آذار. تولى الحلفاء إطلاق النار على احتمالات “الحكيم” رئيساً مثيرين قضايا اتهامه بجرائم واغتيال تنتمي إلى حقبة الحرب الأهلية التي تجاوزها “الطائف” ويتسلى الخصوم في استدعائها. اكتفى الحزبُ بأوراقه البيضاء يحشرها في صندوق الاقتراع، مذكراً مردداً برتابة وبلا كلل حاجته إلى رئيس يحضنُ (رعد) ويحمي (فنيش) المقاومة وتخشاه إسرائيل (قاووق).

يعملُ الحزب وفق هذا الهدوء على الدفع إلى بعبدا برئيسٍ لا يهدده (بما يطيح باحتمالات جعجع) طالما أنه غير قادر، عملياً، على فرض مرشحه الحقيقي رئيساً. هكذا فَهمَ أمر دورة الانتخاب الأولى، وهكذا أفهمَ خصومه أيضاً.

لم يُفرجْ الحزبُ عن هوية مرشحه للرئاسة في لبنان. ولئن كان طبيعياً أن يكون مرشحه الحقيقي هو ميشال عون المتحالف معه منذ “ورقة التفاهم” الشهيرة، فإن مقاربةَ الحزب في هذا المضمار بقيت غامضةً حذرة متأنية. لم يخضْ الحزبُ معركته الرئاسية إلى جانب عون، إما لأن الأخير لم يعلن ترشّحه رسميا كما يقول العونيون، وإما لأن الحزب لا يريدُ عون رئيساً (لصالح أسماء بديلة أبرزها سليمان فرنجية أو قائد الجيش جان قهوجي مثلاً)، وإما لأن الحزبَ لا يريد فعلاً إحراق حظوظ عون لدى سعد الحريري إذا ما بدا أن تبني ترشّيحه مبكراً، قد يسبب استفزازاً وحرجا لزعيم التيار الأزرق بما يُبعد احتمالات دعمه المتوخى لزعيم التيار البرتقالي.

أمرُ ترشح عون واحتمالاته الرئاسية بيد “سعد الدين الحريري” (وفق التسمية المعتمدة لدى إعلام التيار العوني). استبسلت “العونية” في مناكفة “الحريرية” لما في ذلك من وقعٍ انتخابي لدى العقل المسيحي أو بعضه، ولما في ذلك من التصاق بمزاج حزب الله وخياراته (قبل عام فقط أصدرت العونية كتاب “الإبراء المستحيل” ضد الحريرية أباً وإبناً).

تصرّف الجنرال بصبيانية غريبة، حين بالغ في تبعيته للحزب ولم يحسب أن طموحاته الرئاسية ستحتاجُ يوماً للحريري وفريقه، وحين لم يُحسن استغلال تقربه من الحزب لنسج علاقة تعايشية مع تيار المستقبل. أفاق ميشال عون على أمر ذلك قبل أشهر، فأطلق وتياره خطب الانفتاح التي بدا أنها اصطناعية مرتجلة جديرة بفنون البيع والشراء.

أمرُ ترشح عون من عدمه ينتظر خلاصة اتصالاته مع سعد الحريري. يستيقظُ الجنرال على تلك الحقيقة ويقدم نفسه مرشح توافق لا مرشح تحد، وبنيله تأييد الحريري المتوخى يثبت سيّد الرابية تلك المعادلة. سيظهر التوافق أيضاً في اتفاق حزب الله وتيار المستقبل على إيصال رئيس توافقي إلى بعبدا. في ذلك تنشطُ هذه الأيام تمنياتٌ من كافة الفرقاء (للمفارقة) تدعو سعد الحريري للعودة إلى لبنان لترؤس حكومة لبنان ما بعد الانتخابات الرئاسية. في لحظة يظهرُ أن عودة الحريري رئيساً باتت حاجةً للجميع، بحيث يصبح وجوده، بما يُمثّل، في السرايا متكاملاً مع وجود محتمل لعون، بما يُمثّل، في بعبدا.

ومع ترويجِ النخب السياسية اللبنانية أن الانتخابات الرئاسية الحالية تجري في لبنان وأن ذلك سابقةٌ لم تحصل منذ عقود، فإن حقيقةَ الأمر أن الهامش الداخلي اللبناني أصبح أعرض في الشكل فقط، لكنه في المضمون ما زال مرتبطاً بشكل حيوي بمحددات الخارج.

فلبنان لا يستطيع انتخاب رئيس معادٍ للغرب أو خصم لسوريا وإيران أو مناوئ للسعودية.. إلخ. وعليه فإن الدخان الأبيض لن يخرجَ من مداخن البرلمان قبل أن تتقاطع سُبل الخارج وتخرج بالتوليفة أو الصيغة أو الصفقة المناسبة.

في تأكيد واشنطن والرياض وطهران عدم تدخّلها في الانتخابات الرئاسية اللبنانية، عبقُ مداولات تجرى على مستويات غير معلنة لتقطيع الاستحقاق اللبناني الصغير على نحو لا يعطّل أو يربك الاستحقاقات الإقليمية الكبرى.

بات الاتفاق الدولي الإيراني حول البرنامج النووي ناضجاً في دقائق طهيه الأخيرة، فيما تتسرب روائح تقارب يُطبخ بين الرياض وطهران، وتتبارى القوى المحلية والإقليمية والدولية المعنية بالشأن السوري في تبادل المواقع والاختراقات الميدانية، على نحو لا يمسُّ التقاربات خارج ذلك الميدان، ولا يتيح الغلبة لأي طرف داخله.

على هذا وجب أن يتّسق الاستحقاق الرئاسي اللبناني مع مزاج الخارج، وأن يفهمَ حزب الله كما تيار المستقبل أصول اللعب المقبلة.

في ذلك المشهد يؤكّدُ سعد الحريري تحالفه مع سمير جعجع في الدورة الأولى للانتخابات، وفي دورات لاحقة لا تنتجُ رئيساً. في ذلك المشهد تتوالى تصريحات المستقبليين وتنفي الاحتمالات العونية طالما أن المخاضَ لا يخلصُ إلى ولادة. في ذلك المشهد يستمرُ سمير جعجع في ترشحه، بانتظار جلاء الضباب الحريري، ويستمرُ وليد جنبلاط في اقتراح هنري حلو بديلاً، بانتظار حكمة الحكام الكبار.

نعم، سيصوّت سعد الحريري لميشال عون وسيجدُ المستقبليون التخريجات المناسبة لهذا “الانقلاب”. قد يتفهمُ جعجع سرَ التحوّلات ويَعِدُ نفسه برئاسات قادمة. سيدفعُ كثيرون في 8 و14 آذار ثمن هذه التحوّلات. سيفكَّكُ أمرُ التحالفيْفن ويعيدُ تركيب اصطفافات جديدة، ما يبعدُ رؤوساً ويأتي برؤوس. هذا هو أمر السياسة ببلد لا يقوى بنيانه الوهن على مقاومة الأعاصير.

على أن احتساء الكأس العونيّ المر من قبل سعد الحريري يحتاجُ إلى أن يُقدّم الطبق كواحد من الوليمة الكبرى. وإذا ما تعطل الطهي أو اختلف مزاج الطهاة، فإن مشهدَ الوليمة وضيوفها قد لا تجدُ في الجنرال ضرورة على الطاولة، ما يجنّبُ الحريري وتياره تكبد عناء الألعاب البهلوانية الكبرى. عندها يصبح الاتساق مع “الآذارية” كسلاً لا قدرا.


صحافي وكاتب سياسي لبناني

8