حين يغيب السارد

الأحد 2016/05/01

من النادر جداً، كما يقول الناقد الإنكليزي بيرسي لبوك، صاحب الكتاب الشهير “صنعة الرواية”، أن تجد عملاً روائياً حديثاً لا يستخدم فيه الروائي تقنية “المشهد”، التي يغيب فيها السارد، أو يجري تحييده أو إخفاؤه وراء الشخصيات لتبدو في حواراتها كأنها تعبّر بتلقائية عن نفسها على مسرح الأحداث تماماً مثل المسرحية.

إن للمشاهد الدرامية في الرواية دورا مهما في مسرَحة الأحداث، أو إضفاء منحى درامي عليها، وفي الكشف عن الطبائع النفسية والاجتماعية للشخصيات، ورصد خفاياها، وإظهار تمزقها. ولذلك يعوّل عليها بعض الروائيين كثيراً، ويستخدمها لبث الحركة والتلقائية في السرد، وكذلك لتقوية أثر الواقع فيه. وقد قام أحد النقاد العرب بإحصاء المشاهد في بعض روايات نجيب محفوظ، مثل “القاهرة الجديدة”، فوجد فيها 33 مشهداً حوارياً متنوعاً (حوار أفقي ورأسي وواصف وحوار داخلي)، كما بلغت المشاهد الحوارية في الثلاثية مئة وأربعة وثمانين مشهداً حوارياً متنوعاً.

لكن بعض الروائيين أفرط في تضخيم هذه التقنية، ضمن محاولات نزوعهم إلى الأسلوب غير المباشر، أو تفعيلا لخاصية حضور الشخصيات والأصوات في النص، أو إخفاء المسافة بينها وبين الحبكة، إلى درجة ابتلاع النص كله، أو تحويله إلى جنس هجين أطلق عليه مصطلح “المسرواية”، كما في روايات توماس هاردي وفلوبير وجيمس جويس، علماً أن هذا النمط الروائي، الذي عرفه الأدب الغربي في نهاية القرن التاسع عشر، ظهر بسبب عدم استقرار التقاليد الروائية.

وقد درس العديد من النقاد تقنية المشهد في سياق تداخل الأجناس الأدبية، وجرى التركيز في هذا المبحث على جانبين هما “الزمن” و”وجهة النظر”، ذلك أن التعارض بين الثنائية الزمنية (زمن الحكاية الخاص بالعالم التخيّلي، وزمن السرد المرتبط بعملية التلفظ) يمّحي حينما يجري الحدث في لحظات وقوعه المحددة، الكثيفة، المشحونة، وينجم عنه تضخم نصيّ تتحاور فيه الشخصيات وهي تتحرك، وتمشي، وتفكر، وتندهش، وتتأمل، على العكس من تقنية “الخلاصة” التي يُختزل فيها زمن السرد أو يجري تسريعه للقفز على زمن الحكاية. كما أن وجهات نظر الشخصيات ومنطوقاتها هي التي تبرز، حيث لا راوي عليم يتحكم بها أو يصوغها.

من النصوص الأدبية العربية، التي تداخلت فيها الصيغتان الدرامية والسردية، يمكن أن نذكر، تمثيلا لا حصرا “بنك القلق” لتوفيق الحكيم، “ملف الحادثة 67″ لإسماعيل فهد إسماعيل، “ظلال على النافذة” لغائب طعمة فرمان، “أمام العرش” لنجيب محفوظ، و”قبعتان ورجل واحد” لمؤنس الرزّاز. وقد وسّع الأخير الصيغة الدرامية لتطال جسد النص كاملاً، باستثناء الاستهلال، وكأنه أخذ بنصيحة هنري جيمس للروائيين: “مسرحوا… مسرحوا..”، بمعنى اكتبوا مشاهد، وتجاهل تحذير لوبوك من الإسراف في ذلك لأنه، حسب تصوره، يخلّ بالبناء الروائي ويضعفه. وقد أثار هذا النص أثناء صدوره إشكالية التجنيس مرةً أخرى، فعدّه الرزّاز نفسه روايةً، وقرأه أحد النقاد بوصفه “مسروايةً”، ونعته ناقدان آخران بأنه “مسرحيةً ذهنيةً”.

وكان لي، في حينها، رأي مختلف خلاصته أن النص أقرب إلى شكل القصة القصيرة الممسرحة، أو ما يمكن الاصطلاح عليه بـ”القصرحية”، منه إلى شكل الرواية أو “المسرواية”، استناداً إلى مجموعة معايير ذكرتها بالتفصيل، أبرزها طوله الذي لا يزيد عن 30 صفحة، وشخصياته التي تبدو “مؤسلبة” وكأنها تتحاور وتفعل وفقاً لتقاليد مشابهة للحقيقة والمعقولية، لا لتقاليد الواقعية، وظهورها كأقنعة اجتماعية وتجليات رمزية تتحول إلى مجاز، أي أنها تصبح واقعة في خطاب من صنع مجازها وهاجسها الخاص. وأخيرا تقديم الأحداث لا بوصفها أحداثا محتملة الوقوع، بل بوصفها نتاجا لقوة الخطاب أو متطلباته.

كاتب من العراق

13