حين يفتك الاستكتاب بقيم الجمال

السبت 2015/09/26

ينهض الكتّاب والمبدعون، ومعدّو برامج الأطفال ومخرجوها ومقدّموها، والفنّانون والتقنيون الذين يعملون على تحويل النصوص الإبداعية إلى سيناريوهات وأفلام كرتونية وأشرطة فيديو وأقراص مضغوطة أو غير ذلك من منتجات ذات صلة، بأداء دور مهمّ، حاسم ومؤثر، في تنشئة الطفل، وذلك في إطار الدور التربويّ الشامل، الذي يفترض -عن صدق ورسوخ يقين- أن ينهض به المجتمع بأسره، أفرادا وأسرا وجماعات ومؤسّسات.

وكان لإدراك هذا الأمر أن يفضي بالحكومات والمؤسّسات الرسمية المتنفّذة، في الأعم الأغلب من المجتمعات والدول، في عالمنا العربيّ المحكوم أغلبه بأيديولوجيات تجافي الحرّية، إلى اختزال العمل الأدبيّ أو الفنّي الموجّه للطفل، إلى مجرد وسيلة نوعية لإيصال تصوّرات أيديولوجية وقيم أخلاقية ومعايير تربوية يمكن إيصالها باستخدام طرق عديدة ووسائل متغايرة لا تنتمي إلى الإبداع وفنونه.

هكذا فرض على المبدع، المحكوم بضرورات الحياة في مجتمع استبداديّ قاس، أن يفتك بموهبته، إذ يشرع في إدراك نفسه بوصفه معلما أو مربيا فحسب، وأن يسقط على الكتابة تصورا يحيل العمل الأدبي إلى مجرّد وسيلة لتحقيق غايات أيديولوجية، سياسية كانت أو تعليمية أو تربوية، أو غير ذلك من غايات ومقاصد تنأى به عن الإبداع بأبسط مقتضياته ومعانيه، وتحيله إلى مجرّد ممارسة كتابية غير محمودة من منظور العقل المستنير والحريات الإنسانية وحقوق الإنسان.

وما كان لهذا التوجه إلا أن يؤدّي إلى تضاؤل اهتمام الكتاب والفنّانين، مرغمين أو راضين، بالجانب الأدبي والفني، وإلى تخلّيهم عن القيم الإبداعية الجمالية، وذلك على نحو جعل القيمة الأيديولوجية، أيا كانت طبيعتها، تمسك بالشّكل الفني لتفتك به إذ تسخّره من أجل غاياتها، مضحيّة بشكل مضمونه ومضمون شكله.

لقد افترض كل أولئك المستكتبين الذين استبدلوا بإنشاء الكتابة الاستكتاب، وبالإبداع كتابة الإنشاء، أن هاته هي الطّريقة المثلى، أو ربما الطريقة الأسهل والأنجع، لتلبية حاجات المجتمع، والاستجابة لشروط المؤسّسة، والالتزام بمعايير الدّولة، وذلك في إطار السّعي نحو غرس منظومة القيم التي تناسبهم جميعا، أو التي يقرّرها كلّ بمفرده، في عقل الطّفل، وفي صلب ضميره، وفي أعماق وجدانه، بقصد تأهيله لمتابعة العيش في الحياة على النحو الذي يتصورنه هم له، ووفق مشيئتهم هم لا وفق حاجاته الإنسانية ومشيئته، وذلك في إطار التزام صارم بأولويات ومنظومات قيم تحيل الشّخصية الإنسانية الفردية إلى مجرد قناع أصم، والهويّة الإنسانية إلى محض واقعة مصطنعة، مبتسرة الإنسان، في كلّ حال، إلى آلة تؤدّي دورا اجتماعيا محدودا، ومحدّدا من قبل، بصرامة مغلقة وقاطعة.

ولأننا، في هذا السّياق، لا نحاكم منظومة قيم بعينها، فإنّ النّقد، هنا، غير موجه إلى الأفكار والمبادئ والتّصورات والرّموز التي يسعى مجتمع ما إلى ترسيخها في عقول أطفاله، وفي ضمائرهم، وإنما يستهدف تأكيد خلاصة مؤداها أنّ القيم التي لا تملك القدرة على بثّ نفسها من خلال علاقات عمل إبداعي فنيّ ناجح، تكشف عن كونها قيما ضعيفة، آيلة -مثل العمل الذي يحملها- إلى زوال، وذلك بفعل استمرار عجز أي عمل فنيّ فاشل عن أن يثبت لنفسه وجودا في سياق الإبداع، ولأنّ تطور المجتمعات محكوم بجدلية صراع القيم بأعمق تفاعلاتها وأوسعها، ولأنّ إيصال القيم عبر التّلقين المباشر والوعظ الجاف، أو عبر نزعة تعليمية محمّلة بأنماط إلزامية عديدة، ليس إلاّ تعبيرا عن انتصار مقاصد الكاتب، أو نياته الواعية، على قدرة الابتكار والإبداع لديه.

يتأسّس العمل الفني الناجح على رؤية تلتقي مع التّطلعات المستقبلية للمجتمع، ويؤسس أفقا تتبلور فيه “رؤية للعالم” تتحاور مع “الوعي القائم” وتستلهم “الوعي الممكن” الذي تنبئ به رؤى الفاعلين الاجتماعيين، أو الذي يصوغ تطلعاتهم المستقبلية، ويحدّد ملامحها، وذلك على النحو الذي يكشف فيه العمل الفني عن مصداقية التّوجه نحو تنشئة أجيال تسعى بما تمتلكه من وعيّ ذاتيّ مستنير، وحضور إنسانيّ متوقّد وفعّال، إلى تعزيز حضورها الفاعل في الوجود، وتحقيق طموحاتها الإنسانية السّامية؛ فالفنّ العظيم مستقبلي بالضّرورة، تقدّمي واستشرافيّ بالمعنى العميق للكلمة، وهو لا يكفّ أبدا، عن بثّ قيم الجمال والحريّة في الحياة والمجتمعات والنّاس.

شاعر من فلسطين مقيم في سلوفاكيا

16