حين يكون الإبداع وعيا مقاوما

مما ميّز رواية صمت البحر، أن الكاتب توقف عند فكرة مهمة جدا، وهي أن الثقافة النظرية، لدى بعض المثقفين الذين يصدرون في مواقفهم عن حسن نيّة وصدق وطهر، تدفع بهم إلى دخول مصائد المغفلين.
السبت 2018/10/06
درس بالغ الأهمية

سأتوقف في هذا العمود الثقافي، عند رواية “صمت البحر” التي كتبها الفنان الفرنسي جان بريلير، باسم مستعار، هو فيركور في العام 1941، أيام كانت فرنسا تحت الاحتلال الألماني، وجان بريلير، من مواليد باريس في العام 1902، وقد درس الهندسة، غير أنه عرف من خلال الرسم، أما في زمن الاحتلال فقد عاش في إحدى القرى الفرنسية وعمل فيها نجارا، حتى لا يقترب من أي نشاط ثقافي يجعله على تماس مع الاحتلال، ولكنه لم يكن بعيدا عن نشاط المقاومة الثقافي.

لقد نشرت “صمت البحر” وهي رواية قصيرة، ضمن منشورات المقاومة الفرنسية، في سلسلة كتب منتصف الليل، مع مجموعة من كتابات كبار المبدعين الفرنسيين، مثل أراغون وبول إيلوار وفرنسوا مورياك وغيرهم.

وأعرف أن هذه الرواية، قد كتب عنها من قبل كتاب عرب أو ممّا ترجم إلى العربية من كتابات أجنبية تناولتها، سواء من خلال الموضوع الذي تناولته بالتحليل أم من خلال مميزاتها الجمالية، حيث تتكامل بعاملي العمق والبساطة.

بدأت علاقتي بها، من دون أيّ معرفة مسبقة، فلم أكن قد سمعت بها أو قرأت عنها، ففي أواسط ستينات القرن الماضي، وعند مدخل شارع المتنبي ببغداد، توقفت كما كنت أفعل دائما عند أحد باعة الكتب القديمة، فلفت نظري عنوانها، واشتريتها بخمسين فلسا، وتوجهت إلى مقهى البرلمان في شارع الرشيد، وهو على بعد خطوات من مدخل شارع المتنبي، ووجدت الشاعر خالد علي مصطفى، وحين رأى نسخة الرواية معي، حدثني عنها بأدق التفاصيل وأوسعها.

ومنذ ذلك التاريخ، حتى يومنا هذا، أعدت قراءتها مرات ومرات، وكتبت عنها، بل لقد تمثلتها بعد الاحتلال الأميركي للعراق، في قصيدة بعنوان “صمت البحر ثانية”، وقد نشرت في مجموعتي الشعرية “أولئك أصحابي”.

لقد ترجمت إلى العربية في عدد من الترجمات، غير أنني أتناولها الآن بترجمة الدكتور جاد لبيب، لأنني منذ أيام أقيم في منطقة نائية من إمارة عجمان في الإمارات العربية المتحدة، وتوصلت إليها عبر النت، حيث يقول في المقدمة التي كتبها لترجمته هذه “إنها قصة ضابط ألماني، وهو فنان موسيقي مرهف، ومؤلف سيمفوني، طالما تاق إلى دخول فرنسا تحت راية الحب والفكر، ليرى هذه البيوت التي طالما شارك أهلها آمالهم وأحاسيسهم وثقافتهم، فإذا به يدخل البلاد وهذه البيوت، غازيا مغتصبا، في قدميه حذاء الجندي الثقيل وعلى رأسه خوذته، لا يسبقه استئذان ولا تتقدمه بسمة ترحيب”.

لقد كان لهذه الرواية، أكبر الأثر في تمتين الوعي المقاوم، ليس في فرنسا خلال الاحتلال الألماني فقط، وهي التي وزع منها ضمن نشاط المقاومة الفرنسية الثقافي ما يقرب من نصف مليون نسخة، وإنما ظلت حاضرة ومؤثرة حيث كان الاحتلال وحيث كانت المقاومة، ومن المناسب أن نذكر هنا أن مؤلفها ظلَّ أمينا على موقفه في مقاومة الاحتلال ورفضه، وظهر هذا الموقف في تأييده للمقاومة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي، وكان من بين مؤيدي استقلال الجزائر من المثقفين الفرنسيين.

ومما ميّز رواية صمت البحر، أن الكاتب توقف عند فكرة مهمة جدا، وهي أن الثقافة النظرية، لدى بعض المثقفين الذين يصدرون في مواقفهم عن حسن نيّة وصدق وطهر، تدفع بهم إلى دخول مصائد المغفلين، وحين يكتشفون ذلك بعد حين، يكتشفون في الوقت ذاته، بأن حسن نيّتهم هي التي قادتهم إلى تلك المصائد، حيث كان الضابط الألماني والفنان وارنر فون يظنّ أن احتلال بلاده لفرنسا، ليس سوى إنجاز إنساني، على طريق التفاعل الحضاري للبلدين والشعبين، ثم يكتشف بعد فوات الأوان، أن الاحتلال هو الاحتلال، وأنه كان ضحية أوهامه وحسن نيّته.

وهذا درس بالغ الأهمية، وهكذا يكون الإبداع وعيا مقاوما.

14