حين يكون الشاعر طفلا عسير الرضا

ليس أكثر قلقا من حياة المبدع، وبخاصة الشاعر، فهو يعيش عمره بانتظار أن يكتب القصيدة التي تحقق له الرضا فلا يتحقق أبدا.
السبت 2019/12/28
عذاب الركابي الشاعر الطفل

في صباح أحد الأيام كنت في مقهى فوانيس أقلب صفحات أحد أعداد مجلة “الحياة الثقافية” التونسية، ومن عادتي حين أقرأ مجلة ما، ألا ألتزم بتسلسل المواد المنشورة فيها، بل أقفز من عنوان إلى آخر، ليس بدوافع محددة، وإنما بما يشبه الهاجس الذي يوقفني عند هذا الموضوع أو ذاك.

أعود إلى ما بدأت به، إذ كنت أقلب صفحات المجلة، وتوقفت عند عنوان” البوح يًسرُّ أناي” للشاعر والكاتب العراقي عذاب الركابي، وكنت أعرف أن لا حدود لما يتناول ويكتب فيه، فاستغرقت في القراءة، ووجدتني أمام نص يتسم بالثراء على صعيدي الموضوع والجمال، إذ يتوزع بين السيرة وانفتاح الإبداع في فضاء القراءات وخزين الذاكرة.

حين انتهيت من قراءة النص المذكور، طويت المجلة، مع أنني كنت وحدي، ولم يصل بعد أي من أصحابي، وبدأت أستعيد ما قرأت وأشارك بما أمتلك من خبرة في التلقي، وبخاصة الكاتب في بوحه، حتى أنني لم أشارك أصحابي أحاديثهم في ذلك الصباح، وفي البيت عدت إلى قراءة هذا النص الثري ووجدتني أشعر برغبة في الكتابة عنه، وهذا ما أفعله في أكثر الأحيان فالنص الذي أحب، هو الذي يدعوني إلى الكتابة عنه، لكن نصا مركبا مثل نص “البوح يسر أناي” من أين يكون تناول ما يكتب عنه؟

أحد دواوين عذاب الركابي الشعرية
أحد دواوين عذاب الركابي الشعرية

ولا بد من القول إن عنوان مقالتي استخلصته من سياق نص الركابي، حين قال “أنا الشاعر الطفل عسير الرضا” وتلك حقيقة، فليس أكثر قلقا من حياة المبدع، وبخاصة الشاعر، فهو يعيش عمره بانتظار أن يكتب القصيدة التي تحقق له الرضا، فلا يتحقق أبدا، ويظل يعيش قلق الانتظار وعذابات انتظار لحظة الرضا، وللكاتب الشاعر معاناة لم يخترها، بدأت بتاريخ مولده، إذ كان بعد وفاة والده فاختارت له أمه اسم “عذاب” حيث يقول: أنا سليل تربة تنجب الحزن والفقر والغبار، حمَّلتني أمي عبء هذا الاسم، ولدت في أحضان فقر مريع، كل النهارات التي عشتها ليلُ طويل.

ويقول عن المدينة التي ولد فيها: المدينة البسيطة التي تقيأتها خرائط الكون، ويسور ضحكتها المستحيلة وأحلامها المبددة، جيوش تترية من رياح السموم والغبار، مدينتي التي يغسل تعبها وحزنها المزمن نهر صغير، راوي قصصها الأمثل ومنجم فرحها وحزنها الذي لا ينفد.

هذه هي مدينة الشاعر أو هكذا رآها ، وليس دائما، تشبه المدينة التي نعرف، وسأقول: إنني أعرف “الديوانية” وهي ليست بعيدة عن مدينتي “الحلة” بل أن النهر الذي يشير إليه، هو النهر الذي ولدتُ على ضفافه وكان فضاء ذاكرتي ومن ثم مخيلتي في آن، وسأعترف أن انطباعاتي عنها، تختلف عما قاله عنها، لكن ومن دون مجاملة، سأقول: إن الحق معه.

وإذا كانت طفولته قد اقترنت بولعه بالأغاني والأشعار الشعبية التي كانت ترددها أمه، ومن ثم كان يشعر، كما يقول بشيء يسكن تحت لسانه، وهذا الشيء ليس سوى مخاض قصيدته، وهذه التجربة عرفتها في طفولتي بكل ما فيها، وتحدثت عنها مرارا، لكنني عشت طفولة وصبا، لم أعرف فيها ما عرف من معاناة، وذلك أمرٌ لا يد له فيه ولا لي يد فيه، إذ لم نختر طبيعة طفولتنا ولم نشارك في أسباب ما عشنا فيه، سواء  في اليسر أم العسر.

إن ذلك الطفل الذي له من اسمه نصيب، سيجد نفسه يعيش معاناة أخرى، معاناة الشعر، فكل ما يملك من ثروة في الحياة، قصائد وكلمات، وأسلوب بلاغي يكره السائد ولغة تتطير من المألوف.

ويحدثنا الشاعر عذاب الركابي عن قراءاته قائلا: قرأت كل ما وقع تحت يدي من كتب، خياري الوحيد، حريتي المعبودة وسجيتي كما العشق، كل كتاب حياة، لحظة عشق نادرة ومطلع قصيدة جديدة، بدأتُ بكتب الأرصفة والشوارع الخلفية في مدننا العربية، في بغداد شارع المتنبي، تعرفت إلى كبار الكتاب والشعراء العراقيين، البياتي، السياب، الجواهري، غائب طعمة فرمان، عبدالرحمن الربيعي، فاضل العزاوي، حسب الشيخ جعفر، حسين مردان، سركون بولص، جمعتني ببعضهم صداقة حميمة وأنجزت عنهم كتبا مهمة.

ومن الكتاب والشعراء المصريين والعرب، أدهشني عبقري الرواية نجيب محفوظ ويوسف إدريس، وجمال الغيطاني، وبهاء طاهر، وأدوار الخراط، ومحمد إبراهيم أبوسنة، ومحمد رجب، ومحمد جبريل، ومن الشعراء الكبار صلاح عبدالصبور، نجيب سرور، أحمد عبدالمعطي حجازي، حسن طلب وغيرهم.

ويقول: كنت مهووسا بأدب الغرب، بكتّابه وشعرائه، من الذين أثروا حياتي الإبداعية وأثّروا فيها، والت ويتمان، أوكتافيو باث، بابلو نيرودا، سان جون بيرس، إزرا باوند، إليوت، لوركا، مايكوفسكي من الشعراء، ومن عمالقة السرد الذين تزخر مكتبتي بإبداعاتهم ولا تفارقني، ماركيز، يوسا، ساراماغو، إيزابيل الليندي، جيمس جويس، همنغواي، غوركي، وأورهانياموق.

مع أن قراءات عذاب الركابي تبدو لي أوسع مما ذكر ومن ذكر من الكتاب والشعراء، ويظهر ذلك جليا في نصوص استشهد بها في نصه الذي نحن بصدده، وهي استشهادات معرفية وليست مجرد استعراض معارف، وأخيرا لا بد من التوقف عند تجربة مفارقة وطنه ومدينته وأمه، وكان قاسيا وهو يدير ظهره لأمه، ولم يرها بعد كل السنين القاحلة التي عاشها بعيدا عنها، وأقام في العاصمة الليبية طرابلس وفي غيرها من المدن الليبية، ثم كانت رحلته “العوليسية” منها إلى حيث يقيم الآن في مدينة الإسكندرية.

وتمر السنين والأعوام، ومازال الركابي يواصل الكتابة، ومازال الطفل فيه، عسير الرضا.

14