حين يكون القتلة والقتلى فرنسيين من يتحمل وزر الجريمة

الجمعة 2015/01/09

أول أمس ضرب الإرهاب فرنسا في قلبها: الحرية. القتل الفعلي جاء مصحوبا بقتل رمزي. برهان تلك المزاوجة أن أصابع الاتهام توجهت إلى جهة بعينها، باعتبارها قطب المعادلة التي يشكل ضحايا الجريمة قطبها الثاني. تلك المعادلة لم تفاجئ أحدا.

كانت الجريدة الساخرة قد تعرّض مبناها القديم قبل ثلاث سنوات لهجوم لم يلحق ضررا بالبشر. أما في المبنى الجديد فقد نجح الإرهابيون في الوصول إلى أهدافهم بطريقة منظمة، تدل على دقة النشاط الاستخباري الذي سبقها.

ما حدث ليس جريمة أفراد، بغض النظر عن عددهم. إنه فعل مبيّت ومخطط له بطريقة متقنة. وإذا نجحت السلطات الفرنسية في إلقاء القبض على منفذي الجريمة أحياء، وهو ما أشك فيه في ظل الطابع الانتحاري الذي تميزت به جرأة القتلة، فإنها (أي السلطات الفرنسية) ستضع يد العالم على كنز من المعلومات التي ستقود إلى الإمساك بخيوط الجريمة المنظمة، على الأقل في أوروبا.

صحيح أن المنفذين قد استفادوا من عنصر المفاجأة، وهو ما ظهر جليا من خلال الصدمة التي شعر بها العالم وهو يواجه جريمة جديدة من نوعها، غير أن الصحيح أيضا أن الأجهزة الأمنية الأوروبية، ومنها الفرنسية، لم تكن تنظر بطريقة جادة إلى ما توفر لديها من معلومات عن حجم الخطر الذي تشكله الخلايا الإرهابية النائمة. وقد تكون التظاهرة التي شهدتها كوبنهاكن قبل وقت قصير وكان المشاركون (المشاركات) فيها يطالبون بقيام الخلافة الإسلامية في الدنمارك دليلا على ذلك التهاون.

حرية التعبير لن تكون عذرا مقبولا في مواجهة مَن لا يعترف بها. وكما يبدو فإن النظم الديمقراطية تلجأ هي الأخرى إلى أعذار مضللة. ما شهدته باريس يوم الأربعاء إنما يشكل ضربة قاصمة للحرية.

من منظور ديني قد يكون ما فعلته الصحيفة، التي كانت مسرحا للجريمة، حين نشرت صورا مسيئة لنبي المسلمين، نوعا من الإساءة إلى الرموز الدينية، غير أن ذلك الفعل من وجهة نظر القانون المطبّق على الأراضي الفرنسية هو جزء لا يُمس من حرية التعبير. هنا وقع سوء الفهم الذي كان على السلطات الفرنسية أن تنتبه إليه.

فالمجرمون فرنسيون والضحايا فرنسيون، غير أن المسافة كانت بينهما هائلة في فهم واحد من أهم مبادئ الجمهورية الفرنسية: حرية التعبير. في حالة الجريمة لا تنفع الأعذار الديمقراطية.

كان على السلطات الفرنسية (الأوروبية بشكل عام) وهي التي تسعى إلى الحفاظ على سلوكها الأخلاقي أن تنظر بعين حذرة إلى مفردات ثقافة الكراهية التي صارت تتكاثر في معاجم المهاجرين، بسبب سوء فهم لم تعالجه أوروبا بحزم مَن يرغب في أن يضم مواطنيه الجدد إلى حاضنته الثقافية وهي حاضنة متنوعة، الأمر الذي استفادت منه جماعات الإسلام السياسي المتطرفة فكسبت النفوس الضعيفة إلى صفوفها وهي التي تعتبر أرض الآخرين دارا للحرب.

أيتها الحرية كم من الجرائم ترتكب باسمك. أنا على يقين أن الأوروبيين لن يراجعوا سلوكهم الأخلاقي القائم على أسس مجتمعية راسخة بعد هذه الجريمة البشعة. وإذا كانت قوى اليمين المتطرف التي تدعو، علانية، إلى طرد المسلمين من أوروبا ستستفيد من تداعيات تلك الجريمة، فإن المجتمع الأوروبي سيضع الجريمة في مكانها المناسب.

هناك حرب عالمية على الإرهاب، كانت أوروبا ولا تزال جزءا منها. وهو ما يملي عليها واجبا لا يتعلق بحماية مواطنيها وحدهم، بل وأيضا حماية كل مَن يتعرّض لخطر الإرهاب في العالم. لم يكن الإرهاب غريبا هذه المرة، وما التفكير في جريمة الحادي من سبتمبر 2001 إلا نوع من السذاجة. فالإرهاب هذه المرة كان فرنسيا. كان القتلة فرنسيين وكان القتلى هم أيضا فرنسيين. فمَن يتحمل وزر ما جرى؟


كاتب عراقي

9