حين يكون بعض "الفقه" تصريحا بالقتل

الثلاثاء 2015/02/17
هوس القتل يستند إلى فتاوى وتبريرات من دعاة معاصرين

الإرهاب المسوّغُ دينيا والمسمى في أدبيات التكفير “جهادا”، وشهوة القتل الرائجة لا يستندان فقط على منطلقات تبدأ من تأويل قاصر لآيات قرآنية ولا تنتهي بالتعسف على الأحاديث النبوية كما سيرة “السلف الصالح”، بل تعزز ذلك بفقه طائفة من دعاة العصر ممن أبوا أن يبرحوا الماضي وطفقوا يحرضون على المختلف دينيا أو مذهبيا في اعتداء على ما تبتغيه الدولة من قانون ومواطنة وقيم حداثة.

يعلم المبتدئون في “الدعوة”، والراسخون في العلم، أن الخطأ في العفو خير من الخطأ في العقوبة، وأن إبراء ساحة 99 مذنبا خير من إدانة أو قتل بريء واحد. ولكن الشيخ علي جمعة المفتي السابق لمصر لا يرى ذلك تماما، ولعله يبصر ولا يرى أن أكثر ما تملكه السلطة والشرطة هو البارود، لا تنقصهم القوة ولا استسهال الشروع في استخدامها. لديهم من الجسارة ما يستغنون بها عن انتظار فتواه المحرّضة. ولكننا نحسن الظن بالشيخ جمعة وغيره من رجال الدين الرسميين، كما كنا نحسن الظن برجال الدين الإخوان قبل أن يحرضوا على المختلف في المذهب، وعلى غير المختلف أيضا.

لم يختلف هؤلاء عن هؤلاء، حتى إن علي جمعة، بدلا من النصيحة بتحري حرمة الدم، قال في أغسطس 2013، في اجتماع بحضور وزير الداخلية محمد إبراهيم ووزير الدفاع الفريق أول عبدالفتاح السيسي وجنودهما “اعلموا أنكم على الحق… الله معك، والملائكة تؤيدكم من السماء… هؤلاء البغاة، الخوارج، إذا أطلقت من طرفهم طلقة رصاص واحدة، اضرب في المليان. إياك أن تضحي بأفرادك وجنودك من أجل هؤلاء الخوارج”.

ولم يتورع الشيخ، عن استخدام مصطلحات سوقية مبتذلة، في وصف المختلفين معه ومع من يسمعونه “هؤلاء الأفسال… ناس نتنة، ريحتهم وحشة”. وكان الأولى به وبهم ألا يقحم الدين في صراع سياسي يذكرنا بفتنة التحكيم. الشيخ جمعة يقتسم الخطأ مع من أرادوا أن تطمئن قلوبهم بالاستماع إليه، وهو لا يأمر بالإحسان ولا ينصح بالعدل ولا يدعو إلى حكم القانون الأجدى من التستر بأقنعة الدين.

يفترض تنزيه الدين عن تأييد وجهة نظر سياسية نراها اليوم صوابا وغدا خطأ، ويراها غيرنا الآن خطأ

كان أولى بالشيخ الفاضل أن يحمل لقب “المفتي المتقاعد” ويستريح، ولكن صحته أعانته على أن يخلط، في خطبته الطويلة، خبرا متواترا بأساطير لا سند لها من القرآن، مثل خرافة “فتنة الدجال”، وله في هذا سابقة لا تعني أحدا من المسلمين، حين زف البشرى بتحديد موقع يأجوج ومأجوج في أرمينيا.

في الصراع السياسي يُفترض تنزيه الدين عن تأييد وجهة نظر سياسية نراها اليوم صوابا وغدا خطأ، ويراها غيرنا الآن خطأ. ويكفي مثلا أن الذين اغتالوا أنور السادات، ومن قبله وزير الأوقاف الشيخ محمد حسين الذهبي، اعترفوا بعد نحو ثلاثين عاما بأنهم أخطأوا التأويل، ولكن الدم سال، والروح لا تعيدها توبة.

يملك رجال الدين الرسمي والإخواني والداعشي والتكفيري أدلة تبرر أي شيء، بداية بتحريم تهنئة المسيحي بعيد الميلاد، وتحريم إلقاء المسلم السلام على زوجته المسيحية، وهي فتوى معلنة للشيخ ياسر برهامي، وانتهاء بالقتل، كما فعل القتلة المنتمون إلى “الدولة الإسلامية في العراق والشام” حين أعلنوا الأحد 15 فبراير 2015، ذبح 21 مسيحيا مصريا في ليبيا، وكأن جريمتهم أنهم مسيحيون. تسلح المجرمون بالقول “الحمد لله الذي أرسل رسوله بالسيف رحمة للعالمين”، في ملهاة تقلّد حديثا ينسب للنبي صلى الله عليه وسلم “وجعل رزقي تحت ظل رمحي”، ولا حول ولا قوة إلا بالله!

لا يختلف رجال الدين الرسمي والإخواني والداعشي والتكفيري كثيرا إلا في الدرجة، في زاوية النظر إلى الدين، إلى ما يراه كل فريق دينا يخصه وحده من دون المسلمين، في إعادة خائبة لصراعات العصور الوسطى التي انتهت بإعلان دولة القانون المدنية التي تخلصت من حكم رجال الكنيسة والملوك معا، وأصبح الدين لله، والأوطان دينها القانون، لا فرق بين مواطن وآخر، وفي الآخرة يفصل الله بينهم. ولكن كل طائفة من رجال الدين الإسلامي تجتهد في “أكل العيش”، فيسارعون إلى الإفتاء بالقتل، فعلماء داعش يتسلحون بما ينسبونه للأحناف والشافعية وقول ابن حجر إن حرق النفس البشرية جائز “وحرق خالد بن الوليد بالنار ناسا من أهل الردة”، ويؤكد ذلك شيخ سلفي معتوه يقال له الحويني وقد أفتى بأن الحرق “مستقر عند جماهير العلماء” الذين يشبهونه في ساديته وهوسه بشم رائحة شواء اللحم البشري.

هذا الهوس يحتاج إلى وقفة شجاعة لإعلاء كلمة القانون، والتخلص من هذا الهراء القاتل باسم ما يرونه دينا

وقبل الحويني وسيد قطب كان حسن البنا أكثر سحرا وخطورة ولا يزال، حين رأى العالم فسطاطيْن بعين ابن تيمية، في تجييش نفسي لمستلبين يكرهون الحياة، لأن الموت أقل مشقة من إعمار الدنيا، كما قال في “رسالة الجهاد”، “إن الإخوان المسلمين سيستخدمون القوة العملية حيث لا يجدي غيرها، وحيث يثقون أنهم قد استكملوا عدة الإيمان والوحدة… إن الأمة التي تحسن صناعة الموت، وتعرف كيف تموت الموتة الشريفة، يهب لها الله الحياة العزيزة في الدنيا، والنعيم الخالد في الآخرة، وما الوهن الذي أذلنا إلا حب الدنيا وكراهية الموت، فأعدوا أنفسكم لعمل عظيم، واحرصوا على الموت توهب لكم الحياة… فاعملوا للموتة الكريمة تظفروا بالسعادة الكاملة، رزقنا الله وإياكم كرامة الاستشهاد في سبيله”. وقُتل الرجل بعد أن أفتى بقتل غيره أو صمت عن شروع أتباعه في قتل مسلمين، ولم يكن من بين ضحاياه جندي من بريطانيا التي موّلت تأسيس جماعة نجحت في شق الصف الوطني ولا تزال.

وسط هذا الهوس الذي يحتاج وقفة شجاعة لإعلاء كلمة القانون، والتخلص من هذا الهراء القاتل باسم ما يرونه دينا، يظل رجال الدين الرسمي والإخواني والداعشي والتكفيري مستلبين للماضي، لفقه يخصّ أصحابه وعصره ولا يعنينا، حتى إن علي جمعة حرص، يوم 5 فبراير 2015 في ندوة بمعرض القاهرة للكتاب، على إقناع الحضور بالخضوع لما تركه “السلف الصالح”، أيا كانت مجافاته للعقل، بما في ذلك سخافة إرضاع الكبير، واجتهد الرجل سامحه الله في تفسير هذا السخف “يظن الناس أن الرجل يتناول من المرأة مباشرة، وهذا غير مقبول، ولكن الفقهاء قالوا: تعصر ثديها في فنجان وتعطيه”، كما دافع عن حديث الذبابة، إلى درجة شعرت معها بأنين روح الشيخ محمود أبو رية لذهاب اجتهاده سدى في كتابيه “أضواء على السنة المحمدية” و”شيخ المضيرة أبو هريرة”، أول راوية للحديث “اتهم في الإسلام” كما قال ابن قتيبة.

13