حين يلعب المالكي دور المقاوم الممانع

الجمعة 2013/09/06

في مشهد تلفزيوني قد لا يتكرر مرة ينهال صحفي عراقي بحذائه على الرئيس الأميركي السابق جورج بوش فيما يحاول رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي حماية ضيفه من الضربة التي أدخلت منتظر الزيدي التاريخ لكنها لم تخرج جورج بوش منه، كما يحب الكثيرون أن يكتبوا، إذ سيظل جورج بوش الرئيس الأميركي الثالث والأربعين الذي احتل العراق وأطاح بواحد من أعتى الديكتاتوريات العربية، وسمحت جيوشه لبعض السياسيين الذين كانوا منفيين طيلة سنوات حكم صدام حسين أن يصبحوا رؤساء ووزراء ويشكلوا أحزاباً ويتناقشوا تحت قبة برلمان لم يكن موجوداً أصلاً.

واحد من أولئك السياسيين هو نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي، والذي تمكن، خلافا للسياسيين الآخرين، من كسب رضا أميركا وإيران في الوقت نفسه، ما جعله يهيمن على رئاسة الحكومة لفترتين قد تمتد إلى فترة ثالثة بعد أن لعب دوراً نقله إلى مصاف الديكتاتوريات من خلال سيطرته على الملفات الأمنية، والعسكرية، وربطه مستقبل العراق بمتغيرات هو في غنى عنها، وفي ظل تغييب كامل لأي معارضة حقيقية قد تتشكل، طالما أن الاتهامات جاهزة، ما بين الارتباط بالنظام السابق، أو تنظيم القاعدة، حتى أن أي حراك مهما كان صغيراً قد يفضي بأصحابه إلى الاعتقال وفقاً لقوانين تم وضعها للإبقاء على سلطة «دولة رئيس الوزراء»، الذي تتهمه بعض القوى العراقية بإدارة ميلشيات خاصة خارج إطار الدولة للإبقاء على حالة الفلتان الأمني، ما يضمن له مزيداً من الملاحقات والاعتقالات، دون أن يخطو الملف التنموي خطوة إلى الأمام.

وكان المالكي حتى وقت قريب يحمل النظام السوري المسؤولية عن تصدير المقاتلين الأجانب إلى دولته، ولم يوفر مناسبة دون أن يشير إلى الجار الغربي متهماً إياه بالعمل على زعزعة الاستقرار، وبالمقابل فقد اعتبر النظام السوري المالكي وكافة الساسة العراقيين أزلام الاحتلال، وأطلق عليهم إعلام النظام تسمية حكومة المنطقة الخضراء، موجهاً أصابع الاتهام للحكومة العراقية بمحاولة اختراق الحدود وتصدير إرهابيين، وذلك عقب سلسلة من الحوادث التي ضربت دمشق تحديداً، ووصل الأمر بين الطرفين إلى مستويات عالية من التصعيد إلى أن طالب المالكي بتشكيل محكمة دولية لمحاسبة مرتكبي الجرائم بحق العراقيين، والتي يقف النظام السوري وراءها، وقد بادر بشار الأسد إلى وصف هذه المطالبة باللاأخلاقية.

لكن، ومع بدء الثورة السورية، عام 2011 وثبوت اشتراك إيران في أكثر من موضع في معاقبة السوريين على ثورتهم، تغيرت اللهجة العراقية الرسمية كلياً، وتحول عدوا الأمس إلى صديقين بمباركة إيرانية طبعاً، فلم تعد حكومة المنطقة الخضراء عميلة وفق المفهوم السوري الرسمي، كما أن النظام السوري لم يعد مسؤولاً عن التفجيرات التي لم تتوقف في العراق، بل إنها في الآونة الأخيرة تضاعفت بشكل مطّرد مع زيادة الضغوط الدولية على النظام السوري، مع إن طبيعة تلك التفجيرات والمناطق التي تستهدفها هي نفسها، إلا أن الجاني بات مجهولاً، وتكفي الإشارة إلى أنه تكفيري أو على ارتباط بتنظيم القاعدة كي يتلقف إعلام النظام السوري الخبر ويسوق له، بالتوازي مع الاحتفاء الكبير الذي تشهده العمليات العسكرية التي تقوم بها القوات العراقية بقيادة المالكي في مطاردة التكفيريين، وقتالهم، وعلى الجهة الأخرى فإن الإعلام المرتبط بشكل أو بآخر بتحالف المالكي يتعامل مع الثورة السورية وفق وجهة النظر نفسها التي يقرأ بها نوري المالكي شخصياً الحدث السوري، من باب حرصه على سلامة الدولة السورية، واستقرارها، دون الإشارة من قريب أو بعيد إلى المجازر والانتهاكات التي يقوم بها النظام.

أضف إلى ذلك أن العراق بات يمثل المعبر الآمن لعشرات الطائرات الإيرانية المحملة بالأسلحة لنظام دمشق، وقد طالبت الولايات المتحدة مراراً السلطات العراقية بوضع حد لمثل هذا الدعم إلا أن حكومة المالكي لم تحرك ساكناً، وتذرعت باستحالة القيام بمثل هذه الإجراءات لانعدام القدرة على تنفيذها. وقد اعترف أكثر من مسؤول عراقي أن عشرات المقاتلين العراقيين التابعين لمليشيات طائفية قد تجاوزوا الحدود للمقاتلة إلى جانب قوات النظام ضد المعارضة المسلحة، وصولاً إلى تشكيل لواء أبي الفضل العباس الذي دفن الكثير من قتلاه في بغداد وسواها من المدن العراقية، تماماً كما دفن قتلى حزب الله على اعتبار أنهم يؤدون واجبات جهادية في سوريا.

ولا ريب أن رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي على اطلاع مباشر بكل هذه التفاصيل، التي نفى بعضها، لكنه لم يعلق على بعضها الآخر. ويبدو أن التوجيهات الإيرانية التي يحرص المالكي على تطبيقها، تستوجب منه نسيان عداوته السابقة التي فرضها ولاؤه للإدارة الأميركية والاصطفاف، طائفياً، إلى جانب النظام السوري في حربه المعلنة على الشعب، وتجلى ذلك الدعم من خلال رفض الحكومة العراقية إدانة النظام السوري على ارتكاب مجزرة الكيماوي في غوطة دمشق، بل ومخالفة الإجماع العربي بضرورة التدخل لوقف معاناة الشعب السوري، وليس غريباً وفق هذا التسلسل للأحداث أن يبدأ المالكي بتسويق نفسه كقطب من أقطاب الممانعة، التي يمثلها نظاما دمشق وطهران وحزب الله، ويسير بعد ذلك ملوحاً بقبضته متوعداً في وجه المشاريع الأميركية في المنطقة، على طريقة حسن نصر الله وبشار الأسد.


كاتب سوري

9