حين يموت المسرح العربي

الأربعاء 2016/04/20

يلح علي سؤال يخيفني جوابه، لماذا تموت الفنون الجماعية في بلاد العرب؟ أين المسرح؟ وأين السينما؟ وأين الفرق الموسيقية الجماعية التي كان ظهورها سمة من سمات النهوض الثقافي العربي في الستينات والسبعينات وحتى الثمانينات من القرن العشرين؟

منذ عقود قليلة بدأ المسرح بالتقلص، شخصيتان أو ثلاث، وفي أحيان أخرى مونودراما، يكون مؤلفها هو مخرجها وربما ممثلها في الوقت ذاته، ومع ذلك، فحتى هذا الفن تقلص، ولم نعد نرى هذا النوع من المغامرات الفنية التي كانت تسلي وحشة الليل العربي الطويل.

لم تفلح جهود المؤسسات ببث الروح في جسد هذا الكائن الميت، ثمة شيء مات دون أن يعلن أحد عن موته. مسرحيون فارقوا الحياة بهدوء أو اتخذوا لهم زاوية بعيدة يراقبون منها المشهد على حقيقته، وفي الوقت ذاته، لم يولد من بعدهم جيل جديد يكمل سيرة الحياة وتعاقبها.

استمعت بألم قبل فترة إلى لقاء مع المسرحي المغربي الطيب صديقي، شعرت خلاله أن الرجل وصل إلى النهاية ولم يعد لديه شيء يقدمه، وكم كانت فاجعتي كبيرة حين قرأت بعد مشاهدتي للقاء بأيام قليلة خبر موته. لا فرق بين موت المبدع المعنوي وموته المادي، كلاهما موت.

ليس الطيب صديقي حالة متفردة، فالمخرج المسرحي السوري فواز الساجر فارق الحياة أواخر الثمانينات من القرن العشرين وهو في عز الشباب، بعد أيام من عرض مسرحي قال فيه كل ما يمكن أن يقال فنياً.

المسرح مقياس صحة الأمم، فالأمة التي يموت فيها المسرح هي أمة ميتة أو في طريقها للموات. المسرح ليس مجرد لعبة فنية، أو عرضاً جماهيرياً، إنه النبض الذي يدل على الحياة، بل ربما هو الحياة ذاتها مجسدة على خشبة، في المسرح يلتقي الفنان مع الجمهور بشكل مباشر، يجمعهم اللون والإضاءة والحوار، المشاهد هو مبدع آخر للعمل. ليس ثمة مسرح من دون جمهور، ولذلك فإن المسرح ينمي لدى هذا الجمهور الإحساس بالتشاركية، وأن ثمة آخرين يمكن الحوار معهم في هذه الحياة.

حين يذهب الناس إلى المسرح، يذهبون إلى لقاء الآخر، ومشاركته تجربة حياتية، ولذلك فإن المسرح مدرسة لتعلم الديمقراطية وقبول الآخر.

حين يكثر الخطباء ويموت المسرحيون، يولد الإرهاب، وتتحول الحياة إلى مصيدة، علينا أن نتلافى الوقوع فيها، وأن ننجو من غريزة القطيع التي يراد لها أن تكون الغريزة الوحيدة التي تتحكم فينا.

كاتب من سوريا مقيم في الإمارات

14