حيوات في سيارة

الأربعاء 2014/07/16

في الفصل الثاني والعشرين من نصه السيري: “اسطمبول: الذكريات والمدينة” يتحدث الروائي التركي أورهان باموق عن ظاهرة السيارات التي تسقط في البوسفور، في الخمسينات من القرن الماضي، ويبدو هذا التفصيل جوهريا في رسم صورة البوسفور الساحر، والغامض، والخطير في آن. ليس بغريب إذن أن يحكي بإسهاب عن أنواع السيارات المنكوبة ومن يقودها من الشخصيات المندفعة، من عشاق وسكارى ومتسابقين متهورين، ويعرج على أشهر القصاصات التي أرخت لتلك النوعية من الحوادث، وحين ننتهي من الفصل لا نكاد نذكر شيئا عن عوالم البوسفور، ما ينحفر في الذهن هو تلك الحافة الخطيرة التي تهوي منها السيارات.

والشيء الأكيد، عزيزي القارئ، أن سياقة السيارات متعة ومحنة معا، هي مجاز كبير، رحلة كما هي الحياة، نكابد فيها ونروح عن أنفسنا وننسى المسافات، نعبر ونتوقف في محطات، بوجدان قلق أو مطمئن، بالطبع توجد منعرجات وتوجد مسارت تفضي إلى تيه، مع رغبة طفولية في السبق، تماما مثلما في حيواتنا، لهذا كنت أعتقد -على الدوام- أن من لم يحصل على رخصة سياقة، وهي بسيطة في النهاية، لا يمكن أن يقود حياة الآخرين.

ففي منتصف القرن التاسع عشر بويع وريث العرش الشريف عبدالعزيز بن الحسن الأول سلطانا على المغرب، كان فتى يافعا مولعا بالمخترعات الأوروبية، فأثقل خزينة الدولة بالديون، لإشباع شغفه بتلك المخترعات المدهشة. وكان أن أدخل أول سيارة إلى المغرب، فشغلته عن البلاد والعباد، صارت حياة مجازية في صلب الحياة الواقعية، كان يقودها على حافة الخطر، مثل سيارات البوسفور، اشتعل المغرب بالفتن والثورات وهو يسوق السيارة الصغرى في “دار المخزن” بين جواريه وخدمه. أجّل قيادة البلد لما بعد إتقان السياقة، لقد كان طموحا وحداثيا، ومحبا للحياة التي لم تكن تعني شيئا بدون سيارة؛ لذا كان أول وآخر سلطان مغربي يخلع العلماء بيعته في جامع القرويين.

وغير بعيد عن التاريخ والجغرافيا، تتحول السيارات في التعبير الفني، إلى استعارات لـ”رحلة العمر” و”فن القيادة” و”سرعة الزمن” و”عبثية الأقدار”. تتذكر عزيزي القارئ، ولا شك، تلك اللازمة السينمائية التقليدية في أفلام الأبيض والأسود، حين ينطلق البطل في سيارته، بعد أزمة عاطفية، بسرعة جنونية، وسرعان ما يهوي في وهدة تشبه وهدة البوسفور، منهيا كل شيء، العلاقة العاطفية، والحياة، والفيلم. وهي الهموم التي سكنت على الدوام في ذهن الناقد الفرنسي اللامع “رولان بارت”، ولاشك أنه كان يتأمل في عمق أحدها حين كان خارجا من إحدى محاضراته في “الكوليج دو فرونس” فصدمته سيارة عابرة، ووضعت حدا لتأملاته النقدية وحياته على حدّ سواء.


كاتب من المغرب

15