حيّ على الإصلاح الديني

الاثنين 2015/06/08

“كلّ شيء يخرج من يد الخالق جميلا قبل أن تفسده يد البشر”، بهذه العبارة البليغة اختار الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو أن يستهل كتابه الشهير “إميل”، ذلك الكتاب الذي ينسى الكثيرون بأنه يندرج ضمن أساسيات بناء شخصية عصر التنوير الأوروبي، ولولا تلك الأساسيات لبقي التنوير مجرّد ثرثرة بلا أثر يُذكر. هنا بالذات تكمن إحدى ثغرات قوى الحداثة والتنوير عندنا، والتي تترك فراغا “دعويا” كبيرا يملؤه الشيوخ والوعاظ. ليست مقولة روسو مجرّد عبارة عابرة أو جملة اعتراضية، بل لعلها مسلّمة تأسيسية لبناء إنسان عصر التنوير.

مقصود القول إن الإنسان، كل إنسان كيفما كان وأينما كان وبصرف النظر عن فكرة الله، فإنه يولد كائنا صالحا طيّبا مجبولا على فعل الخير قبل أن تفسده التّنشئة المستبدّة والقواعد المتشددة. في هذه النقطة بالذات تختلف رؤية روسو عن رؤية رجال الدين الذين يزعمون بأنّ الإنسان خطّاء بطبعه، نزّاع إلى الإثم والعدوان ما لم يردعه وازع من الدين، أو من السلطة الدينية كما يقصدون.

يعتبر روسو الأخلاق مسألة طبيعية في الإنسان، تولد معه، ولا يحتاج لأجلها إلى أي سلطة تحرس مساحة الأخلاق، وتحصّن نفس الإنسان من وساوس الشيطان والأرواح الشريرة. لذلك، يكفي أن نترك الإنسان على حريته، على طبيعته، على فطرته، دون تسلط على رقبته، دون رقابة على ضميره، حتى يتصرّف بنحو حسن، وإلاّ فإنّ القيود هي التي تشوّه فطرة الإنسان وتفسد أخلاقه، بل لا تكسبه، بلغة نيتشه، سوى أخلاق العبيد، أخلاق النفاق والمسكنة والطاعة والتقية والتواكل، وهي “الأخلاق” التي يدافع عنها رجال الدين باستماتة، طالما أنّها أساس سلطتهم على القلوب وتسلّطهم على الرقاب.

وإذ يظنّ رجال الدين بأنّ الأخلاق الفاضلة تأتي ضدّ طبيعة الإنسان ومن ثم تحتاج إلى سلطة قهرية، فنحن نعترف لهم بأنهم محقون في هذا الظن لكن على أساس أنّ مقصودهم بالأخلاق أخلاق العبيد حصرا وتحديدا، والتي هي بالفعل ضدّ فطرة الإنسان، وتحتاج من ثم إلى سلطة قاهرة، إلى شرطة دينية، إلى محاكم شرعية، إلى عقوبات مرعبة، إلى قصاص وجلد وقطع ورجم. لذلك، طبيعي أن ينكر رجال الدين أن يكون للأخلاق أي منشأ طبيعي وإنساني، ويزعموا بأن مصدرها من السماء. هذا الادعاء هو أساس سلطتهم.

في المقابل، تقوم رؤية فلسفة التّنوير على أساس أنّ الأخلاق، أخلاق الحرية والصدق والكرامة (كانط)، أخلاق الحرية والمساواة والاعتراف المتبادل (هيجل)، أخلاق الحرية والتفوق والإبداع (نيتشه)، أخلاق الحرية والمسؤولية والالتزام (سارتر)، هي المضمون الفعلي للأخلاق، إنها الأخلاق بألف ولام التعريف، وهي لذلك متناغمة مع الطبيعة البشرية، ولا تشترط شيئا آخر غير الحرية كجذع مشترك. في المقابل، تقوم الرّؤية الكهنوتية على فكرة أنّ الأخلاق تحتاج إلى سلطة دينية قاهرة ترغم الإنسان على فعل الخير، طالما يقيم الشيطان على الأرجح في أغوار النفس الإنسانية.

الجدير بالملاحظة، وهذا استنتاجنا، أنّ رؤية روسو لطبيعة الإنسان تنطبق على طبيعة الدين نفسه، وتنطبق على طبيعة الإسلام أيضا. فالدين في منبعه الطبيعي ومنهله الإلهي متوافق إلى حد بعيد مع الطبيعة البشرية، متناغم مع العقل الإنساني، لكنه بسبب عبث أيادي العابثين بدافع السلطة أو الشهرة أو الثروة أو لمجرّد الثرثرة، فقد أمسى متعارضا مع الطبيعة، متناقضا مع العقل، وغارقا في أوحال العنف والخرافة.

مغزى الإصلاح الديني كما نراه ونتبناه، تحرير الإسـلام من قيم العنف وثقافـة الخرافة. وبالتأكيد، حين نقول إننا نحتـاج إلى إصلاح ديني فهذا يعني أننا نقرّ ابتداء بأنّ هناك واقعا اسمه الفساد الديني. وبالطبع، مثلما نتكلم عن الفساد الاقتصادي حين تغيب النـزاهة ويغلب الطمع، وعن الفساد الإداري حين تغيب الشفافية ويغلب الجشع، وعن الفساد السياسي حين تغيب المصداقية ويغلب الخداع، بوسعنا أن نتحدّث عن الفساد الديني حين تغيب النزاهة والشفافية والمصداقية، ويغلب الطمع والجشع والخداع.

وكما أنّ الإدارة ليس من جوهرها الفساد بل الفساد طارئ عليها لكن لكل إدارة قابلية للفساد، فكذلك الفساد الديني ليس من طبيعة الدين بل طارئ عليه، لكن لكل ديانة قابلية للفساد. وهذا ما يجعل الإصلاح الديني أمرا ممكنا. لكن ما الذي يجعله أولوية الآن؟

هناك مشكلة فعلية، قلة قليلة منا من تعترف بأنّ ديننا، على منوال سائر أديان الأرض، قد يصلح حينا وقد يفسد أحيانا، بل قد ينخره الفساد إذا أهملنا الإصلاح ردحا طويلا من الزمن. لا شكّ أنّ الكلام عن صلاح الدين يعجب الكثيرين، ولا شك أن الكلام عن فساده يزعج الكثيرين، لكن، ليس ثمّة شك في أن العبارتين متلازمين. ربّما أحتاج إلى تقديم أمثلة لكشف النقاب عن حجم الفساد الديني المستفحل في مجتمعاتنا.

لنترك جانبا إدارة الجمعيات الدينية، فهذا مقام بالغ التعقيد، وفيه يعرف القاصي والداني أنّ “أموال الله” أكثر الأموال عرضة للفساد طالما ليس عليها من رقيب غير الله، أي بلغة القانون لا أحد، وسنقصر النظر على بنية الخطاب الديني. وبالمناسبة، يجب الإقرار بأن الخطاب الرائج داخل مجتمع معيّن هو أساس توزيع السّلط في ذلك المجتمع، من الأسرة إلى المدرسة، ومن مقر العمل إلى وسائل الإعلام ومؤسسات الدولة. وبعد هذا يبقى الفساد الديني في أساسه فسادا في الخطاب، قبل أن يكون فسادا في الهياكل والمؤسسات.

إنّ تفحّصا متأنيا للخطاب الديني الرّائج في مختلف المنابر والقنوات الفضائية يضعنا وجها لوجه أمام انحرافات أخلاقية كبيرة وبالغة الضرر. وعلى سبيل المثال، بوسعنا أن نتساءل: كيف امّحت من الوعي الديني تلك العبارة القرآنية الحكيمة “والكاظمين الغيظ”، أمام عبارات تراثية تُحرض على الحقد والكراهيـة من قبيل “أغيظوا أعداء الملة”؟ كيف امّحت تلك العبارة القرآنية البليغة “والعافين على الناس”، أمام عبارات تراثية تحرض على العنف والانتقام من قبيل “فلان حلال الدم والمال”؟ كيف امّحت العبارة القرآنية المعبرة “ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم”، أمام عبارات مشينة تُكثر من السبّ واللعن والقذف في حق “الكفار” من اليهود والشيعة والصوفية والنصارى وغيرهم؟ كيف امّحت العبارة القرآنية الصريحة “لا إكراه في الدين”، أمام عبارات تراثية عرضية من قبيل “الإسلام يعلو ولا يعلى عليه”؟ وما الإسلام؟ هنا أيضا امّحى التصور القرآني للإسلام باعتباره يحيل إلى كافة الديانات التوحيدية والإبراهيمية، أمام التصور التراثي الذي يختزل الإسلام في مجرّد دين واحد، وأحيانا في مذهب واحد، وأحيانا في فرقة واحدة.

ليس للإسلام من شكل نهائي، بل لعله يتخذ شكل الوعاء الحضاري الذي يوجد فيه. وتلك مسلمة أساسية من مسلمات الوعي الإصلاحي. لذلك، يغلب على هذا الإسلام الذي ورثناه طابع فقه العصر الإمبراطوري، عصر التوسعات والفتوحات الإمبراطورية، حيث رسخت مفاهيم البيعة والطاعة والجماعة، وفتاوى الجزية والغنيمة والسبي. وهي المفاهيم والتصورات التي لم تعد تناسب عصر الدولة الوطنية. ومن هنا نفهم صعوبة تلاؤم هذا الإسلام الموروث مع واقع الدولة الوطنية الحديثة. وهنا مربط الفرس.

وفي كل الأحوال، يجب الاعتراف بأنّ الدين ليس مجرّد بنية فوقية تابعة آليا للواقع الاجتماعي للناس، كما يتصور الخطاب اليساري التقليدي، لكنه قوة وجدانية قد تكون في الاتجاه البنّاء كما نحب أن نراها، وقد تكون في الاتجاه الهدّام كما هي في معظم الأحيان. ليس الدين مجرد زوائد ثقافية، إنما قوة اجتماعية كما يؤكد ماكس فيبر. ولعل ماركس هو القائل، فيما أذكر، تصبح النظرية قوّة مادية عندما تستحوذ عليها الشعوب.

فهل نترك هذا الدين لقوى التدمير، حتى تدمّر كل القباب والمزارات والنصب التذكارية والمتاحف والبنايات والمحطات والجامعات، وتدمر العمران والأوطان والإنسان، ولا تبقي في الأرض حجرا على حجر؟ هل نترك الدين لقوى الجهل والتخريب حتى تنخره بالكامل، وتنخرنا معه، وتضيع آخر آمالنا في الأخير؟ أم أنّنـا مطالبون باسترجاع هذا الإرث الرّوحي الإنساني من الأيادي التي اختطفته، فأفسدته، وباسمه بدأت تفسد في الأرض وتعلو علوا كبيرا؟ هل نترك الفساد الديني ينخر النفوس ويقطع الرؤوس ويُخدر الأذهان ويجمّد الوجدان ويُهَجر الإنسان ويُفجّر العمران، أم آن الأوان لكي نطلق صيحة الآذان: حي على الإصلاح الديني.. حيّ على إصلاح الأديان؟

كاتب مغربي

8