حي الأحباس الكنز العريق بين أحضان الدار البيضاء الصاخبة

الخميس 2015/04/23
حي الحبوس أعطى لمدينة الدار البيضاء نفسا عريقا، بما يعرض فيه من صناعات تقليدية

في قلب مدينة الدار البيضاء، الغارقة في صخب لا يهدأ، يركن حي "الأحباس" أو "الحبوس" العتيق في قلب العاصمة الاقتصادية للمملكة المغربية، هاجعا إلى تاريخ قديم، ارتسم في فترة الاستعمار الفرنسي.. تنزوي منازل حي الأحباس خلف أسوار القصر الملكي، مستكينة لأشجاره الوارفة، بينما تنتظم الأزقة على نمط المدن العريقة تحاذيها أقواس وأسوار.

يعود تاريخ بناء حي الأحباس، أو “الحبوس” كما يطلق عليه المغاربة في لهجتهم الدارجة، إلى عام 1917 إبان العهد الاستعماري الفرنسي (1912-1956)، حين عكف مهندسون فرنسيون على تصميم بناياته لتشبه أحياء المدن العتيقة في المغرب، مثل مراكش وفاس، وقد استغرق إنشاؤه حوالي عشر سنوات.

وتعود تسمية الحي بالأحباس إلى كون الأراضي التي أقيم عليها عبارة عن أراض مُحبسة (تابعة) لوزارة الشؤون الدينية المغربية، قرب القصر الملكي وسط الدار البيضاء، شمالي المغرب، العاصمة الاقتصادية للمملكة المغربية.

كان الحي، في بداية نشأته أوائل القرن الماضي، مستقرا للطبقة البرجوازية المغربية، خاصة من الصناّع التقليديين القادمين من مدينة فاس العريقة، شمالي البلاد، والذين اختاروا الاستقرار في الدار البيضاء لأغراض التجارة والعمل.

تضجّ حواري حي الأحباس وأزقته بمآثر عمرانية، وتغصّ أسواق الحرفيين والصنّاع، حيث تعرض منتجات الصناعة التقليدية، بالزوّار من السياح الأجانب والوافدين إليها من أبناء المدينة نفسها، فتنتشر بين أزقة الحي ودروبه حوانيت بيع الجلابيب والأحذية الجلدية المغربية، وأخرى تعرض أوان فضية ونحاسية، وأنواعا مختلفة من الحلويات التقليدية المعروفة في المغرب.

يكتسي حي الحبوس أيضا طابعا ثقافيا يميزه عمّا سواه من أحياء الدار البيضاء، المدينة الشهيرة ببناياتها ذات اللون الأبيض، حيث يحوي أكبر المكتبات وأشهرها في المغرب، وعددا من أهمّ دور الطباعة والنشر، وتحفل رفوف المكتبات بمؤلفات يرتبط بعضها بالحضارة والدين الإسلامي، وأخرى تواكب آخر إصدارات ثقافية عربية في مجالات الفكر والسياسة والأدب.

حي الأحباس كان خلال الاستعمار مقرا للفدائيين، يتجمعون فيه من أجل التخطيط للعمليات التي تستهدف القوات الفرنسية

ففي هذا الحي العتيق، يجد المثقفون كل ما يبحثون عنه من ذخائر وكنوز فكرية في سلسلة من المكتبات الكبرى المتراصّة والمتجاورة، تعرض أحدث ما جادت به دور النشر من ثمار الفكر في مختلف تخصصاته.

الدار البيضاء أحد أكبر مدن شمال أفريقيا، يرتبط تاريخ نشأتها بالاستعمار الفرنسي الذي اتخذها مركزا لسلطته في البلاد، تكاد تخلو من أبنية تاريخية على نمط العمارة العربية الإسلامية، على عكس بقية المدن العريقة في المغرب، مثل فاس ومراكش جنوبا ومكناس شمالا وغيرها من حواضر المغرب العتيق، وفي المقابل تتعالى فيها بنايات شاهقة وتضج طرقاتها بأزمات المرور الخانقة على غرار المدن الحديثة، وتكدر أدخنة المصانع صفاء أبنيتها البيضاء.

لحسن زهير (79 سنة)، وهو أحد أقدم سكان حي الأحباس، يقول إن “الحي كان خلال الفترة الاستعمارية مقر نشاط الحركة الوطنية المطالبة باستقلال البلاد وجلاء الاستعمار، حيث كان الفدائيون والمقاومون يتجمّعون في دور ومقاهي الحي العريقة من أجل التخطيط للعمليات التي تستهدف القوّات الاستعمار الفرنسي، وفي قلب هذا الحي الذي أنشأه الاستعمار نفسه انطلقت أغلب المظاهرات والعمليات المناوئة للوجود الفرنسي في المغرب”.

يضيف زهير أن “قرب الحي من القصر الملكي، وأجوائه الهادئة، والحدائق الظليلة التي تحيط بمنازله، جعل منه منطقة ذات طبيعة خاصة وسط مدينة الدار البيضاء الصناعية”.

ورغم خصوصية سكان الأحباس خلال الفترات الأولى لنشأته، حيث كان أغلبهم من الصناع المهرة المعروفين أو التجار الفاسيين (نسبة إلى مدينة فاس)، فإنّه أضحى اليوم أحد أحياء الدار البيضاء الشعبية والقديمة، وأثرا تاريخيا يضاف إلى مآثر المدينة التي يعود أغلبها إلى فترة الاستعمار الفرنسي.

ويوضح زهير أنّ الحي القديم به عدة مرافق إلى جانب الدور السكنية وورش صناع الحرف التقليدية، ويعد زقاق ‘مكاتب العدول’ أهمها وأشهرها، حيث يقصده سكان المدينة لتسجيل عقود الزواج وسائر العقود القانونية، ويجاور هذا الزقاق معلمان مميزان في حي الأحباس، أولهما المحكمة التي شيّدت على طراز العمارة المغربية الإسلامية القديمة، أما المعلم الآخر فهو المسجد المحمدي.

ويشهد حي الحبوس نشاطا تجاريا حثيثا، يستفيد بمنتجات الصناعات التقليدية المحلية، حيث تشتهر محلاته الكثيرة بعرض مختلف صنوف الملابس والحلي والأواني التقليدية المغربية.

20