حي البيازين وحسن الأندلسي

الجمعة 2015/11/13

لم أكن اعرف أثناء تجوالي الطويل في الأندلس، وقبل ذلك في الشمال والوسط الأسبانيين، من مدريد إلى برشلونة. أن روح الشيخ محيي الدين بن عربي هي التي ستمنح هذا التجوال جاذبيته العالية وغير المنتظرة أبدا. وأن الحضور الباذخ للشيخ في هذه الأمكنة سوف يقترح عليّ وجهات جديدة للسفر ومواعيد مثيرة.

في برشلونة البعيدة جغرافيا عن الأندلس. وغير الحاملة للكثير من البصمات التي خلفتها تلك الحقبة العربية الصارخة في هذه البلاد. سوف ألتقي، عبر صديقة عربية مشتركة، بخابي.. الأسباني الشرقي، كما يقدم نفسه ويعرفها: ولدت ومحيي الدين بن عربي في حارة واحدة. قال خابي. هو جدي الفعلي على الأغلب وليس شيخي، فحسب، أضاف ضاحكا.

- في مورثيا تقصد؟

- نعم في مورثيا. هل زرتها من قبل؟

- لا. ولا أعرف إن سأتمكن هذه المرة من زيارتها أم لا؟

- حسنا، خذ هذا العنوان.

أخرج خابي ورقة صغيرة وكتب فوقها شيئا ما ثم مدها إليّ قائلا: سوف يساعدك هذا الشخص على معرفة مورثيا أكثر، وهذا عنوان آخر. تابع خابي وهو يكتب فوق ورقة جديدة: لديّ صديق غرناطي حميم يدعى حسن الأندلسي، أسباني وهو من أولئك الذين “اعتنقوا الإسلام على طريقتهم الخاصة، اذهب إليه على الفور حين تصل غرناطة، لديه مقهى في قلب حي البيازين، وعنده كل أسرار الأندلس.

أجلت مورثيا والرغبة في زيارتها إلى موعد مفتوح وتابعت الطريق الطويلة إلى الأندلس. إلى غرناطة أولا، فغرناطة هي الباب الذي عليك أن تعبره أولا، لكي تصل، إن وصلت، إلى تلك الجنان التي فُقدت وصارت فكرة عن عالم شهي طواه الوقت وتراكم الأحداث وأنواع الخسارات. فكرة شهية لم يتمكن النسيان من إبعادها أو عزلها عن صرح الذاكرة الجمعية للعرب، ولن يتمكن أبدا.

في غرناطة، رفيعة الحضور والمعنى، تمنحك المطارح إحساسا لا يقاوم بأنك كنت هنا. وفي البيازين، حيها الأجمل والأهم، تعيدك الأحجار والأرصفة وواجهات البيوت ومداخل الأبنية وبقايا السور القديم وملامح الوجوه التي تلتقي صدفة. كل ما تلقاه هناك بعبارة أدق. يعيدك إلى حيث عليك أن تكون. فلا تقل: كنت هنا ذات يوم بعيد. بل قل: أنا من هنا، وها أنذا أعود بعد غيبة طالت إلى بيتي القديم.

لم يكن أمر العثور على المقهى الذي يديره حسن الأندلسي في البيازين صعبا أو متعبا. لا لأن العنوان الذي كتبه خابي قد تكفل بسهولة العثور عليه فحسب. بل لأن حسن، كما سأكتشف وأنا أقترب من مداخل الحي، هو ذاته العنوان.

مقهى حسن تقصد؟ هكذا أجابني الشاب الذي سألته عن الشارع والمقهى. وتابع: اصعد هذه الدرجات القليلة ثم انعطف شمالا. هو هناك خلف الحمام العربي تماما.

وصعدت، لأكون بعد لحظات قليلة في قلب المقهى. في قلب المبنى التاريخي الصغير الذي حوله حسن إلى “نافذة يطل منها الزائر على عالم ضاع″ كما يقول. وكما تدل المقاعد الخشبية والوسائد المزركشة التي تعلوها. وتدعوك للاسترخاء. وكأن المكان الصغير هذا، بمصابيحه الشرقية المعلقة بعناية فائقة إلى جانب عديد اللوحات المزدانة بفنون الخط العربي القديم. وكأنها تقول لك: أنت الآن في حضرة القرن الثاني أو الثالث عشر. في غمار الفكرة الشاعرية، وفي أوج الحنين إليها. فادخل، وانتظر ما ستعرضه الذكرى عليك.

لحظات قليلة وجاءت سيدة بملامح أسبانية خالصة تسألني ما أريد.

- جئت لزيارة حسن، أخبرتها. أهو هنا الآن؟

- نعم، انتظر قليلا.

وانتظرت، إلى حين عادت هي بصحبة الرجل الذي تجاوز عقده الخامس على الأغلب.

مُرحبا، ثم معانقا، تقدم مني حسن وهو ينطق باسمي بعربية صحيحة لا تحيل العين في الاسم الثاني إلى ألف خفيفة، ولا الهمزة في الاسم الأول إلى ياء ثقيلة.

أخبرني خابي هاتفيا بأنك ستزورني، قال حسن، وأضاف على الفور: جئت تبحث عن نفسك في غرناطة. أعرف هذه الحقيقة وأحبها فهي لا تتناقض مع رؤاي وأفكاري. أنت هنا في المكان الصحيح. في البيازين أقصد، فمن هنا يمكن للشرقي الإمساك بطرف الخيط الذي سيقوده إليه.

ضحكتُ، وأخبرته بأنني أريد غرناطة، أريد الدخول إلى هذه الأمكنة عبره هو.

لساعات طويلة تبادلت وحسن الأحاديث التي حملتنا إلى دروب ولذات الأندلس. ولمرات عديدة تكرر حضور الشاي الأخضر. ثم النبيذ الأحمر الداكن الذي ختمنا به التجوال في شعاب الذاكرة: روح غرناطة هو هذا النبيذ، كان يكرر مضيفي وهو يرفع كأسه بين الحين والآخر ويغازله. تشربه، حيث تكون، فتعرف بأنك ارتميت في أحضان غرناطة.

ــ متى وكيف انتقلت إلى الإسلام؟ سألته.

ولدت لعائلة مسيحية وغرناطية أصيلة، بلا جذور موريسكية. ثم تعرفت مبكرا إلى السحر الكوني الذي فكك ابن عربي ألغازه وخباياه. فقررت الذهاب إليه، إلى عالمه الذاتي ودوافعه الكامنة في ذلك الدين. أو في خلاصة بحوثه الخاصة والرفيعة في الدين الإسلامي عموما.

ولكني.. أضاف حسن: لا آخذ بجميع التعاليم التي جاء بها الإسلام، أو غيره من الأديان الموحدة، وهي متشابهة كما تعلم. فلديّ علاقتي الخاصة التي تكونت ببطء عبر الاقتراب أكثر فأكثر من اقتراحات ابن عربي وابن رشد وغيرهما. ثم توقف حسن فجأة عن الكلام وقال: تعال. فتبعته وهو يغادر الصالة.

مدهش هو المشهد الذي تلتقطه عيناك وأنت تغادر الصالة إلى الفضاء الرحب خارجها: قصر الحمراء يطل عليك بمهابة وبحضور لافت من على التلة المقابلة. الحمام العربي القديم على جهة الشمال الملاصقة تماما للمبنى. وأدراج حجرية قديمة هابطة نحو حوش أندلسي توزعت الطاولات والكراسي في جميع أركانه وزواياه. وغرفة يتيمة.

هذا بيتي ومقهاي، وهذا.. أشار حسن: هو الحمام القديم الذي مر به ابن عربي أثناء إقامته القصيرة في البيازين. وإلى هنا كان يجيء ابن رشد بعد طرده من قرطبة. وكذلك ابن طفيل وابن الخطيب ولوركا. هؤلاء هم جيراني، وأنا أعيش بقربهم وأحس بحضورهم اللحظي يلامسني ويمنحني طاقة لا تحد.

ــ هل أجبتك عن سؤال علاقتي بالإسلام؟

نعم، قلت له. ثم ودعته، وانصرفت إلى ما جئت بحثا عنه في غرناطة. في هذا الحي الاستثنائي المقيم إلى الآن بين عالمين. في أمس بهيّ وحاضر فاتن. وفي هذه الروح التي تسطو عليك وتأخذك، إلى عالم يصعب أحيانا وصفه بالكثير والبديع من الكلمات.

كاتب من فلسطين مقيم في فيينا

14