حي الصالحية بدمشق سكانه أهل "صلاح وفلاح"

الاثنين 2013/09/30
المنازل العتيقة بدير الصالحية صورة للمعمار الدمشقي

دمشق ـ إقترن اسم دمشق بالقدم؛ فقد عُرفت هذه المدينة العريقة على أنها أقدم مدينة في التاريخ ما زالت مسكونة وعامرة بالبشر. وتناقل العرب في كتبهم ورواياتهم الواردة في مدونات اليعقوبي والمقدسي وابن جبير والبلاذري وابن بطوطة، تاريخ المدينة وأخبار أحيائها الواقعة داخل السور التاريخي لدمشق القديمة وخارجه.

ومن أشهر تلك الأحياء الواقعة خارج السور التاريخي حي الصالحية الواقع على أطراف نهر "يزيد" بين منطقتي "المهاجرين" و"ركن الدين"، ويشتهر الحي – الذي كان يسمى قديماً "قرية النخل" – بانتشار آثار الأولين في كل زاوية تقع عليها العين بدءاً بمسجد وضريح قطب الصوفية الكبير العلامة عبد الغني النابلسي سليل "بنو قدامة"، مروراً بالمدرسة العمرية الكبرى، المنسوبة إلى أبي عمر (شيخ المقادسة) ابن الشيخ المهاجر أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي العمري، وبضريح ومسجد الشيخ الأكبر محي الدين ابن عربي، الذي يعتبر أحد المقاصد الرئيسية للسياح، وانتهاء بالمدرسة القلانسية ودار الحديث الأشرفية.

تشير الروايات التاريخية أن سبب تسمية الصالحية بهذا الاسم يرجع إلى أنه مع بدء الحروب الصليبية (التي دامت نحو قرنين) هاجر عدد من المقادسة من "بنو قدامة"، وسكنوا في منطقة باب شرقي، ثم ما لبثوا أن انتقلوا إلى منطقة عند سفح قاسيون، – ولأنهم كانوا أهل صلاح وفلاح – فقد سميت تلك المنطقة بحي الصالحية. وهذا ما يؤكده المؤرخ الدمشقي، المقدسي الأصل أبا شامة عبد الرحمن بن إسماعيل إذ يقول: "بهم سميت الصالحية لصلاحهم"، وهو ما ثبته الشيخ محمد أحمد دهمان في كتابه المحقق "تاريخ الصالحية".


أصل الحكاية


تبدأ قصة هذا الحي عام 551هـ/1156م، فبعد احتلال الصليبيين لبيت المقدس عام 492 هـ، وزعت الضياع والقرى والمدن الفلسطينية على الأمراء الصليبيين الأوربيين الغازين.

وكان من نصيب إقطاعية جبل نابلس حاكماً فرنسياً ظالما يدعى "بارزان" فسام أهل هذه الديار المباركة الخسف والتنكيل والظلم. وكان في قرية (جمّاعين) القريبة من نابلس عالماً من رجالات الإسلام اسمه أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الحنبلي.

وكان هذا العالم خطيباً في مسجد القرية، يعلم فيها الحديث والقرآن، وجعل من بيته مدرسة تعج بالطلبة، وقد كان يلمح كثيراً في مجالسه بعدم رضاه عن مقامه تحت أيدي الفرنجة، فبلغ الصليبيين أمره، وهابوا الإيقاع به فهددوه فلم يمتنع، فحكم عليه القائد الصليبي "بارزان" بالقتل، للقضاء على دعوته وسعيه الدائم لإيقاظ روح المقاومة في نفوس العباد، فسارع أحد الكتبة الصليبيين وأبلغ الشيخ أحمد بما يُدبّر له، فعزم على المضي إلى دمشق. ومع ثلاثة من أقربائه خرج الشيخ سراً إلى دمشق العامرة، التي صارت منذ سنتين للسلطان الشهيد نور الدين محمود بن زنكي (1118-1174م)، الذي اشتهر بالجهاد والتقوى.

وبعد مشقة واختباء وصل الشيخ ومن معه إلى دمشق، وسرعان ما أمر أقرباءه بالعودة إلى (جمّاعين)، ومعهم رسالة إلى ابنه البكر عمر، يأمره فيها بالسفر إلى دمشق مع الأسرة كلها، لأنه قرر المقام فيها، ولن يعيش تحت السيطرة الصليبية الظالمة.

وما إن وصلت الرسالة إلى أولاده حتى استجابوا له وهاجر أولاده وبناته وأصهاره وحفدته وزوجته الذين بلغوا 35 نفساً، وذلك في شوال سنة (551هـ /1156م). وبعد وصولهم إلى دمشق حطت القافلة رحالها عند جامع أبي صالح الحنبلي بظاهر الباب الشرقي، وتتابعت الهجرة بعد ذلك إلى هذا المسجد أرتالاً.


مدارس شيدها علماء «بنو قدامة»


تشير المصادر التاريخية أن الذي جعل الشيخ أحمد يختار مسجد أبي صالح للإقامة فيه مع أهله هو اتفاقه في المذهب مع القائمين عليه، فمكث فيه نحو عام، غير أن هناك مشكلتين واجهتا الشيخ ومن معه الأولى: هي عدم نظافة المكان الذي نزلوا فيه إذ كانت بيوتهم قريبة من مستنقع آسن الذي سبب لهم أمراضاً كثيرة فمات منهم نحو أربعين نفساً.

والثانية: تغير نفوس بعض وجهاء "بنو الحنبلي" بعد أن كثر الوافدون وخشوا من انتقال الوصاية على أوقاف الحنابلة من أيديهم إلى أيدي القادمين الجدد من "بنو قدامة"، وقد بلغت هذه المشكلة إلى مسامع السلطان وكان عنده القاضي الشافعي شرف الدين ابن أبي عصرون (المنسوب إليه سوق العصرونية)، فأثنى على "آل قدامة" وعظم شأنهم وقال له إن هؤلاء مهاجرون صالحون يتوجب علينا مساعدتهم فأمر السلطان بنزع الوقف من "بنو الحنبلي" وتسليمه إلى "بنو قدامة".

ولكن الشيخ أحمد تألم لهذا القرار ورفضه قائلاً: "أنا ما هاجرت حتى أنافس الناس على دنياهم، ما بقيت أسكن هاهنا".

وكان أن دعاه ذات يوم رجل صالح من مريديه إلى نزهة في أرضه على ضفة نهر يزيد عند سفح جبل قاسيون، فأعجب الشيخ أحمد بن قدامه بجمال الموقع المطل على مدينة دمشق ومبانيها المعمارية، وواحتها الخضراء، ونزل إلى النهر فتوضأ منه وجعل على ضفته حجراً وضعه جهة القبلة وصلى هناك وقال: "ما هذا إلا موضع مبارك".

عندها بنا الشيخ وأولاده داراً على أنقاض دير مهجور سمي "دير الحنابلة"، أنشأها من عشر غرف صغار، ولا يزال الموضع إلى اليوم يسمى بحارة الدير، وهي أول ما أنشئ من حي الصالحية.

ثم أخذت الدور تتكاثر وازداد نشاطهم في تشييد الحوانيت بعد توالي الهجرات من بيت المقدس وأكناف بيت المقدس، فتتابع العمران وكثر السكان من العلماء والزهاد والعامة واتسعت معها شهرة المقادسة من "بنو قدامة".

وذاع صيت الشيخ أحمد فأخذ الناس من أهل دمشق يفدون إليه ويزورونه ويهدونه الهدايا، وقد كان السلطان نور الدين من بين زوار الشيخ المجاهد يقصده بين الفينة والأخرى. وجعل الناس من أهالي دمشق يبنون إلى جوارهم، فكثرت الدور، وتتابع العمران حتى صارت الصالحية بعد قرن واحد بمقدار مدينة دمشق يومئذ، وصارت بفضل "بنو قدامة" مدينة جامعة.

ومن الآثار التي تركها القوم إضافة إلى علومهم التي ينهل منها المسلمون إلى يومنا هذا، المدرسة العمرية الواقعة عند سفح جبل قاسيون، وأنشأ (ضياء الدين محمد ابن عبد الله المقدسي) وهو من أعظم علماء هذه الأسرة المدرسة الضيائية سنة 620 هـ، وتتابع إنشاء المدارس واستطاع المقادسة أن يحتلوا في أوساط دمشق العلمية أعلى المنازل، فنشروا المذهب الحنبلي وأنشأوا له المدارس الكثيرة، فكثر أتباعه، حتى افتتحـــت محكمـــــة شرعيــة حنبلية، كان قاضيها برتبة قاضي القضاة.

12