حي القابــون الدمشقي قبلة الأحرار ومحراب الثوار

الخميس 2013/07/25
من الدمار يخرج شعاع الأمل وسوريا الجديدة ستولد من رحم الألم

على بعد مسافة ثلاثة كيلومترات عن ساحة المرجة مركز العاصمة دمشق، يتوسط حي القابون جيرانه الدمشقيين، فيلاصقه كل من حيّي برزة والتل شمالا، ويفصله شرقا عن حرستا وعربين اوتستراد حمص الدولي، ويحدّه من جهة الجنوب حيّا جوبر وزملكا القريبين أكثر إلى دمشق.

دمشق – "آبونا"، اسم أطلقه الآراميون على الحي الدمشقي، الذي يحمل في معناه "مكان تجمع المياه" ومن ثم عدّل الاسم ليصبح "القابون" مواكبا للحضارة السريانية، ليحمل ذات المعنى باللغة السريانية "العامود الدال على مكان تجمع المياه".

القابون في هذه الأيام

فيما تكثف حكومات مختلف دول العالم الإسلامي جهودها لتلبية مطالب شعوبها خلال الشهر الكريم، لتيسير صيامهم وقيامهم، يضرب النظام السوري مطالب شعبه عرض الحائط، بل إنه لم يقو حتى على مراعاة حرمة شهر رمضان، وقابل دعوات الهدنة المطروحة خلال شهر رمضان من قبل الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس الإئتلاف المعارض بمزيد من القصف والقتل والحصار. فقد اعتمد النظام السوري على اتباع سياسة التجويع عبر محاصرة المدن منذ أشهر لقطع إمدادات السلاح عن المقاتلين أساسا، ولضرب الحاضنة الاجتماعية لكتائب المعارضة المقاتلة في المنطقة، بسبب تردي الأحوال المعيشية وانقطاع سبل الحياة.

ومنذ أن نجح النظام في إغلاق المناطق المحيطة بالغوطة الشرقية، فرضت السلطات السورية حصارا شديدا على قرى وبلدات الغوطة كافة ومن بينها مدينة القابون بحيث لم يبق مخرج أمام الأهالي للتواصل مع العاصمة نهائيا. ومع انقطاع التيار الكهربائي المستمر منذ أكثر من أربعة شهور، نتيجة الاشتباكات المسلحة وانقطاع الإمدادات الإغاثية من الجمعيات والمنظمات الدولية والمحلية، ومنع دخول الطحين إلى مخابز المدينة، بات مئات الآلاف من السكان يعيشون حالة بؤس شديد، مع ارتفاع كبير في الأسعار مترافق بشح في الموارد والحاجيات، ما دفع الأهالي، ومعظمهم من الفلاحين، إلى الاستعانة بمنتجات حقولهم لضمان استمرارية العيش، ولجأوا أحيانا إلى ذبح قطعان مواشيهم، تلك الثروة "الحيوانية" التي باتت تتعرض لتهديد كبير. ونقلت تقارير صحفية عن مسؤول في اتحاد الفلاحين في سوريا قوله: "إن البلاد ستفقد ثروتها من الأبقار خلال أشهر قليلة إذا استمر الوضع على حاله، ما سيشكل نكسة كبيرة ليس فقط على مستوى تأمين اللحوم وإنما كل مشتقات الحليب.

صمود تحت الحصار

الحملة العسكرية على الحي، بلغت أشدها في الأيام الأخيرة، حيث حاصرت قوات النظام الحي بعد الاستيلاء على المنطقة الصناعية "تورا" التي تعتبر المدخل لحي القابون، فيما ذكرت وكالة الأسوشيتد برس نقلا عن مسؤول عسكري لقوات النظام السوري أن قواته استعادت 60 في المئة من حي جوبر، جنوبي القابون، وتحاول استرداد ما تبقى من المنطقة.

وتناقل الناشطون عبر مواقع التواصل الاجتماعية، مقطعا مصورا من داخل أراضي القابون، نشر بتاريخ 13 /7 /2013، تظهر في محتواه، رسالة من أحد المقاتلين من أبناء الحي، وجه من خلالها نقدا إلى المعارضة السياسية لانشغالها بالانتخابات والمجالس والمؤتمرات، كما حمّلت الرسالة مسؤولية الفشل العسكري لفك الحصار، إلى قائد لواء الإسلام "الشيخ زهران علوش" الذي يعد من أكبر وأقوى القوى العسكرية المقاتلة في صفوف المعارضة في الغوطة الشرقية، كما ذكرت أسماء أخرى كقائد لواء شهداء دوما "أبو صبحي طه" وكتائب ألوية الفرقان، وجميعها مغيبة تماما عن الأحداث العسكرية الجارية في القابون. وكان الائتلاف السوري المعارض أصدر بيانا، مساء الأحد الموافق لـ15 /7 /2013، ناشد فيه الأمم المتحدة لإرسال "رسالة قوية" للنظام السوري بضرورة إطلاق نحو مائتي مدني عالق في مسجد القابون، محذرا من أن آلاف المدنيين في الحي قد يتعرضون لمذبحة على يد قوات النظام.

بين الحرب والحراك السلمي

نظرا لما عاصره أهالي القابون من أزمات، فلا غرابة في أن يتواجد أبناؤه في أول مظاهرة احتجاجية ضد نظام الأسد الحاكم، والتي خرجت من سوق الحميدية التجاري وتم حينها اعتقال شخصين من آل العنطوز مما دعا أحد مشايخ الحي إلى احتضان شبان الحي للمطالبة بالإفراج عنهم، وفعلا تجمع أكثر من خمسة وعشرين شابا أمام مسجد أبو بكر الصديق (الجامع الكبير) بتاريخ 25 /3 /2011 إلا أنهم فوجؤوا بعناصر الأمن من كل حدب وصوب وانهالوا عليهم بالضرب بالعصي وبالأسلحة البيضاء.

وبعد أحداث درعا مباشرة هب أبناء القابون في ما عرف حينها بـ"الفزعة لأهل درعا"، وتتالت المظاهرات يوما بعد يوم، وكان حي القابون الدمشقي وجهة النشطاء السوريين من جميع شرائح المجتمع من "مثقفين وفنانيين وإعلاميين وغيرهم" ومن مختلف المناطق، نذكر منهم الفنان فارس الحلو وجلال الطويل ومحمد آل رشي وغيرهم كثيرون، والذين ولجوا إليها للتعبير عما يجول في نفوسهم من استنكار لأفعال النظام السوري، ليغدو حي القابون بحق، قبلة الأحرار في دمشق.

شهد حي القابون مظاهرات عارمة، كانت تنطلق معظمها من المسجد الكبير في الحي. واشتهر الحي بنصب الخيام في الساحات وهي خيام تكون في البداية إما خيام عزاء أو خيام لأمسيات شعرية وجميعها يتحول في نهاية الأمر إلى مهرجانات ثورية ترفع فيها الشعارات المنادية بحرية الشعب السوري ووحدة الوطن. كما عرف عن الحي نشاطه المميز بـ"الغرافيتي" فخط شبان الحي شعارات الحرية.

لم يكن لحراك القابون السلمي الوقع الحسن على نظام الأسد، بل إن توافد المشاركين من خارج الحي إليه دفع النظام نحو الجنون، ليمارس وحشيته المعهودة، بالاعتقال والتعذيب والقتل، مما دفع أهالي الحي إلى اللجوء إلى حمل السلاح دفاعا عن قضيتهم، فصعّدت قوات الأسد من عملياتها العسكرية في دمشق وريفها، وخصّت القابون بالسلاح الثقيل حاله حال البلدات المجاورة، منتهجة سياسة الأرض المحروقة، واستعصى على قوات النظام السوري اقتحام الحي عدة مرات، إلى أن نجحت في اقتحامه للمرة الأولى في الشهر السابع من سنة 2012، حيث حوصر الحي تحت قصف جوي وبري عنيف وفتحت عليه رشاشات المروحيات وهو أول حي من أحياء دمشق يتعرض لمثل هذا التصعيد، كانت حينها معركة دمشق الأولى وبقي محاصرا من 17 /7 /2012 حتى 20 /7 /2012. وفي تاريخ 22 /7 /2012 ارتكبت قوات النظام السوري أول مجزرة بحق المدنيين من أبناء الحي حين أقدمت على إعدام خمسين شخصا ميدانيا، وحتى اللحظة، تستمر حملات النظام العسكرية على الحي لاقتحامه مرات أخرى بعد أن أعادت كتائب المعارضة السيطرة عليه، ويشهد القابون في الآونة الأخيرة تصعيدا من نوع مختلف، بعد أن أخذت قوات النظام السوري تفخخ المباني السكنية المحيطة بالنقاط العسكرية، وسوّت ما يقارب 60 بالمئة من مباني الحي بالأرض، كما أحرقت قذائف المدفعية والدبابات أكثر من 45 بالمئة من محاصيل الأراضي الزراعية المحيطة بالحي، ولا تزال المعارك العنيفة تدور بين كتائب المعارضة وقوات النظام في سعي متكرر لقوات النظام لاقتحامه منذ أكثر من سنة

تاريخ القابون النضالي

القابون ليس بجديد على الحراك النضالي والشعبي، فلقد عرف الحي عبر تاريخه الممتد، برفضه الدائم للاستعمار ولشتى مظاهر الذّل، فقدّم العديد من الشهداء منذ الحرب العالمية الأولى مرورا بـ 1948 وحرب حزيران 1967 و1972 حتى حرب تشرين التي قدم فيها الحي كوكبة كبيرة من الشهداء نذكر منهم الشهيد "علي جابرة" و"الطيار أحمد ليلا" وضابط المدفعية الشهير "الأستاذ الشيخ غالب الرفاعي". وعلى الرغم مما تميّز به أهالي القابون، من بساطة العيش وطيب المعشر وحسن الضيافة، إلا أنهم عرفوا أيضا بثبات الرأي والإصرار عليه، ولقّبوا بالشعب العنيد، الذي لم يصمت يوما عن الإشارة إلى الخطأ والمطالبة بالتصويب نحو الصواب في وجه أعتى أنظمة العصر الحديث ديكتاتورية، فأحيط القابون بالعديد من الأزمات قبل اندلاع الثورة السورية كان أبرزها في القرن الماضي، فشهد "أزمة المقبرة" أو ما عرف بعدها "بانتفاضة التربة" والتي خرج فيها أهالي القابون نساء ورجالا وأطفالا، في عهد الرئيس السابق حافظ الأسد الذي رضخ حينها لمطالبهم وألغى المشروع العسكري المزمع إقامته مكان المقبرة، كما شهد حادثة الأوتستراد الدولي التي تلت انتفاضة المقبرة بمدة، حيث انتفض على إثرها أهالي القابون جميعا، مطالبين بإقامة الأنفاق على الاوتستراد الذي يمر بالبلدة ويقسمها إلى قسمين، ولم تنتهي التظاهرة حتى لبيت مطالبهم، وأطلق على القابون (البلدة المظلومة) لكثرة ما وقع عليها من مظالم عبر الأزمنة. والشعور الدائم الذي يرافق أهلها عبر الحكومات بأنهم مظلومون ومهملون، فرغم كثافة السكان في الحي والبالغ قبل أكثر من سنتين قرابة 50000 نسمة يعمل معظمهم بالمهن الحرة واليدوية فضلاً عن الزراعة وتجارتها فلا تجد فيه مستشفى أو صرحا رياضيا أو خدميا، فضلا عن استملاك معظم أراضيها لصالح مؤسسة الإسكان العسكري المعروفة باسم "متاع"، ويعتبر حي القابون من أفقر أحياء دمشق، ورغم ذلك عرف عن أهله مشاركتهم في الحياة السياسة، وانخرطوا في أغلب أحزاب سوريا السياسية، لتجد أنصاراً من أهالي القابون في (حزب الشعب، والحزب الشيوعي السوري، وحزب الاتحاد الاشتراكي، وحتى حزب البعث العربي الاشتراكي ) وغير ذلك من الأحزاب التي عرفت

عن الحياة في القابون

في ظل الحصار المطبق منذ أكثر من خمسة شهور، واشتداد وتيرة المعارك بين فريقي الصراع، وحالة القصف اليومية المتواصلة، تغيب مظاهر الحياة عن حي القابون الذي هجره معظم سكانه، وأصبح البقاء على قيد الحياة لمن تبقى منهم والمقدر عددهم بـ 7000 شخص تقريبا أصعب المستحيلات، فمن جهة لم تعد الهيئات والمنظمات الإغاثية تستطيع إدخال المعونات داخل الحي، ومن جهة أخرى، استحالة العمل من قبل الكتائب المقاتلة لمساعدة الأهالي للخروج من الحي، خاصة بعد أن اتخذ النظام السوري في الأيام الأخيرة من المدنيين الذين حاولوا الخروج منه، دروعا بشرية للضغط على المقاتلين، كما قامت قوات الأسد بتاريخ 17 /7 /2013 بقتل مدنيين مع ماشيتهم من "أبقار وأغنام" عندما حاولوا الخروج بها من الحي، بعد اتفاق أبرم مع النظام، يقضي بخروجهم سالمين، إلا أن رصاص النظام السوري نقض الاتفاق المبرم، وقضوا على المدنيين مع ما كانوا يحملون من ماشية .

أهمية الحي لم تشفع له

تميّز القابون بأنه أهم طريق ( للمواصلات، كونه المدخل الشمالي للعاصمة دمشق، وكثرت فيه الشوارع الرئيسية والجسور عبر الأزمنة وأهم تلك الجسور على نهر يزيد "جسر القبة وجسر الحوارنة" كما تعتبر "كراجات البولمان" العصب الرئيسي للمواصلات بين العاصمة وباقي محافظات سوريا الشمالية.

كما يتضمن القابون معالم هامة (خانات، جوامع، حمامات، قصور) وعلى الرغم من أهمية القابون التاريخية، إلاّ أن الحي الدمشقي تعرّض لظلمة التاريخ، حيث بُعثر تاريخه كغيره من القرى والبلدات بين الأزقة المعتمة والزوايا المهجورة، ثم جاءت الآلة العسكرية للنظام السوري لتدمّر ما بقي من هذا التاريخ.

مؤسسة أنا للإعلام الجديد – دمشق

6