حي النفط في الكوت فقراء فوق بركان من المال

في العراق الغني بالنفط تعصف المآسي المتعددة بالعائلات الفقيرة في كل المدن والقرى، ما يطرح تساؤلا ملحا حول ما آلت إليه حالة الشعب الذي يشكو أبناؤه من انعدام العدالة الاجتماعية.
السبت 2016/01/16
مشروع المياه الصحية في العراق

واسط (العراق) - ما بين آبار حقلي الأحدب الصيني وغاز بروم الروسي يقع حي النفط في مدينة الكوت في محافظة واسط العراقية، وهو حيّ عشوائي بامتياز يفتقر لأبسط مقومات الحياة، لا يعرف من النفط إلا اسمه، فوجوه من يقطنون في هذا الحي تعكس أثر البؤس والعوز والفقر المدقع.

وجوه شاحبة لفحتها حرارة الشمس صيفا، وزادتها برودة الشتاء قسوة، مواطنون من محافظات شتى تقطعت بهم السُبل، فاضطروا للعيش في هذا الحي العشوائي.

على عتبة حي النفط تتحدث الستينية أم علي وهي قلقة على مستقبل أولادها الأربعة، تقول المرأة التي غزت التجاعيد بشرتها السمراء “جئنا إلى هذا المكان بعد أن هجّرنا في العام 2006، ومثلما تشاهد فالنفط يحيط بنا من كل مكان، لكننا لم نجن منه سوى الدخان والأمراض، وما يقلقني فعلا هو أن أموت دون أن أجد مكانا يحفظ كرامة عائلتي في العيش الكريم”.

يختصر حي النفط هذا حكاية عائلات فقيرة أنهكتها الفاقة وأخذت منها الحاجة مأخذا عظيما، إذ تنعدم فيه أبسط الخدمات، فشوارعه تتخللها برك المياه الآسنة ويختلف عرضها وطولها من شارع إلى آخر. وبيوته الطينية مسقفة بألواح خشبية قد تطيح بها الأمطار والعواصف في أي لحظة، ومن هذه البيوت المهترئة يقتطع الساكنون جزءا يسيرا ليحولوه إلى مطبخ ومكان للاستحمام.

“حقول النفط ومستودعاته مليئة بالبترول، وتدر أموالا طائلة، ونحن نعيش الكفاف، فهل يجوز ذلك؟”، بهذا المزاج الحاد يتساءل مواطن آخر يسكن في حي النفط.

ويضيف “بيوتنا بنُيت بشكل عشوائي، ولا يوجد فيها ما يدل على الحياة، والأمراض تحيط بنا من كل جهة”.

ويعيش أكثر من خمسين ألف شخص في حي النفط الذي أنشئ بعد عام 2003، وتنحدر الأكثرية منهم من المحافظات التي شهدت أحداثا طائفية خلال السنوات الماضية، وسبب تسميته تعود لقربه من حقول النفط، فضلا عن إمكانية وجود آبار غير مكتشفة لحد الآن تحت منازل الحي.

مسؤول: لعله من المضحك المبكي أن تعيش هذه العائلات معاناة حقيقية والذهب الأسود يتسرب من تحت بيوتها

وبحسب مساعد محافظ واسط الحقوقي جاسم الأعرجي فإن سكان الحي يواجهون الكثير من التحدّيات في مختلف المجالات، ويعدّ نقص الخدمات، وقلة فرص العمل وتضاعف نسب البطالة بين السكان، من أبرز تلك التحدّيات، خصوصا بعد الأزمة المالية التي يعيشها العراق حاليا.

ويؤكد الأعرجي أنه “لا يمكننا تنفيذ أي مشروع خدمي في هذا الحي لأنه ببساطة حي عشوائي ويقع خارج حدود البلدية”.

وبينما يتحدث مساعد المحافظ عن قلة الخدمات المقدمة للحي يقول في تصريحات لموقع “نقاش” حول نفس الموضوع “لو وزعت الثروات النفطية في البلاد بصورة عادلة على الناس لما عانى سكان هذا الحي وغيرهم من هذه الظروف المعيشية العصيبة”.

ويخلص الأعرجي إلى القول “لعله من المضحك المبكي أن تعيش هذه العائلات معاناة حقيقية والذهب الأسود يتسرب من تحت بيوتها”.

وتكثر قصص المعاناة لعائلات تركت قراها ومدنها هربا من الموت الذي زرعته العصابات الإرهابية في بعض المحافظات العراقية، فعلى الرغم من اختلاف أشكال المعاناة من بيت إلى آخر، إلا أنّها تتشابه في الأسباب والمسببات، فحي النفط يشهد حالة من الاكتظاظ الشديد في البناء بسبب ضيق المساحة، مقارنة بالنمو السكاني المتزايد، ويخلو من أي مرفق خدمي وصحي.

معاناة حقيقية

هناك بالقرب من المدافئ المستعملة المركّزة وسط البيوت تجتمع الأُسر طلبا للدفء، خاصة خلال ساعات الليل المتأخرة حيث تزداد درجات البرودة، وفي الصباح تلوذ العائلات بأشعة الشمس طمعا ببعض الدفء، فـ”مشكلتنا هذه قائمة منذ سنين” كما يقول سعدون هادي وهو موظف حكومي.

وبحسب سعدون فإن مشكلة سكان هذا الحي لا تقف عند العشوائية وشظف العيش فحسب، فهناك ما هو أكبر من ذلك، وفي هذا الصدد يقول “مشكلتنا الأصعب تكمن في الأرض التي أنشأنا عليها بيوتنا المتواضعة، فملكيتها تعود للدولة ويمكن للسلطات مطالبتنا بإخلائها في أي وقت”.

“في كل شتاء ممطر يشهد هذا الحي انهيارا لبعض بيوته التي تغزوها الحشرات، وتحاصرها الأمراض من كل جهة ويموت تحتها بعض الأبرياء”، كما يقول الناشط المدني منير كمر لــ”نقاش” ثم يصمت، ويضيف “ليس بعيدا عن حقول آبار النفط تقف حكاية هذا الحي شاهدة على سنوات الحرمان والقحط، تلمحها في عيون سكّان الحي الذي سمّي باسم النفط، لكنّه لم يحظ بشيء من مغانمه غير الاسم”.

ووفقا لما تقوله مديرة قسم الصحة العامة في محافظة واسط الدكتورة سندس عبدالحسين، فإن الحي يصنف صمن المناطق ذات الخطورة العالية في ما يتعلق بالجانب الصحي بسبب الكثافة السكانية الهائلة وتدني الاهتمام بالجوانب الصحية، فضلا عن انعدام البنى التحتية خصوصا ما يتعلق بالصرف الصحي والنفايات ووصول الماء الصالح للشراب.

وتقر عبدالحسين بأن المؤسسة الصحية تقف مكتوفة الأيدي أمام مثل هذه الظروف “بسبب قلة التمويل المالي وعدم توفر وسائل النقل لتقديم خدمات التلقيح ورعاية الأم والطفل والسيطرة على الأمراض المعدية”.

20