حي بن يقظان السوري

الثلاثاء 2016/03/29

تقول الطرفة التي تخفي وراءها مكرا شعبيا وسخرية هائلة: تاه ثلاثة من الرحّالة، فرنسي وأميركي وسوري، في أدغال أفريقيا ووقعوا في قبضة أفراد قبيلة من آكلي لحوم البشر فاقتادوهم إلى الزعيم لينظر في أمرهم، وبعد تفكير ارتأى مستشاره أن يسأل كل واحد عن البلاد التي جاء منها، فإن عرفها الزعيم نجا من المصير الذي ينتظره في القدر الكبير المعدّ فوق النار.

سأل الفرنسي عن اسم بلاده فأجابه بأنه قادم من فرنسا البلد الأوروبي الشهير، مد الزعيم شفتيه شبرين مستهجنا، وطلب أن يشرح له أكثر فأطنب الرحّالة في توصيف صورة بلاده وتقريبها لذهن الزعيم في مجالات التاريخ والاقتصاد والثقافة ولكن دون جدوى.

سأل الأميركي فحاول أن يخبره عن بلاده الأشهر في العالم بكل الطرق ولم ينفع معه شيء، فاقتيد مثل زميله الفرنسي إلى قَدره في القدر الكبير كوليمة دسمة.

جاء دور السوري وما إن نطق باسم بلاده حتى تهللت أسارير الزعيم، ابتسم وقام من مكانه ليقترب منه وهو يمسح على كتفه قائلا بحنين جارف “من أي حارة أنت؟ حدثني يا عزيزي كيف حال ساحة المرجة؟ وباب سريجة وعين ترما وداريا وببيلا والجزماتية ومشحم عامر وشاورما أبوالعبد، ألم يزل فرع فلسطين في مكانه وسجن عدرا والهجرة والجوازات”.

اندهش الرحّالة السوري لهذه الدراية التي يمتّع بها الزعيم في معرفة بلاده دون غيرها، فقال له المستشار بكل فخر “إن زعيمنا قد درس الجغرافيا والتاريخ في جامعاتكم”.

تسحب هذه الحكاية على بلاد عربية وعروبيّة كثيرة، وإذا استثنينا تلك المسحة العنصرية في الذريعة الحكائية التي تغلّف هذه الطرفة الشعبية، فإن الرسالة قد وصلت للمتلقي العادي والاستثنائي، وهو أنّ النزعة الشعبوية في التعليم الموجّه لدى بلاد كثيرة باسم الجماهيرية التعبويّة قد “أتت أكلها” عبر عقول متحجّرة وسلوكيات شوفينيّة، تزدري الآخر عن جهالة مقصودة وتمجّد الذات باستعلاء مرضي، وبسبب سياسات تعلّم الأميّة في المدارس على مبدأ “قبلهم لم يكن هناك قبل”، ابتداء التاريخ يوم جاؤوا”. ما شفع للرحّالة الذي كاد يلقى حتفه في القدر الكبير هو أنّ زعيم قبيلة آكلي لحوم البشر كان قد درس، بالصدفة والمجان، في ربوع بلاده وذاق طعم خبزها، وربما سجونها ومعتقلاتها.

ألا يذكّرنا هذا بجامعة باتريس لوممبا الشهيرة في روسيا السوفياتية التي كانت تفرّخ الآلاف من الخريجين من مختلف أصقاع العالم الثالث ولا تسأل عن سمعة شهادات بعضهم التي اشتروها بالوسكي والمارلبورو والجينز الأميركي، بل تركّز على الولاءات الأيديولوجية لدى الأصدقاء “ممن سيصبحون قادة المستقبل في بلدانهم السائغة”، أمّا الفارق الوحيد هو أنّ الروس لم يكونوا يعاملون هؤلاء بحجم الصرامة التي كانوا يعاملون بها أبناءهم الحقيقيين وليس أبناء الجواري ممن ملكت خططهم وأطماعهم.

شاءت الظروف أن يتعرّف عامة البسطاء من السوريين إلى الغرب الأوروبي والأميركي غصبا عنهم، والتي لم تمكنهم مادتا الجغرافيا والتاريخ من التعرف إليها بشكل جيد ونزيه، فوقفوا في البداية مشدوهين ثم صاروا متفاعلين وفاعلين.. ها قد أصبح الكثير منهم اليوم متفوقين مبدعين بل ومزاحمين لأصحاب الأرض المضيفة.. وربما أهلا لأصحاب قرار المستقبل في بلاد اللجوء، من يدري؟ ولكن..

لم يلتق “رحّالة سوري” في تغريبته الحالية والقسرية “زعيم قبيلة أوروبي” يكشّر عن أنيابه أمام قدر فوق النار، يقول له صف لي البلاد التي جئت منها بسبب أنه لم يدرس في جامعاتها التاريخ والجغرافيا ويتعرف لأدقّ حاراتها الشعبية وفروعها الأمنية.

كان الحس الإنساني هو الطاغي في تعامل الأغلبية الأوروبية غير المسيّسة بفعل مخزونها الثقافي مع اللاجئ السوري الذي أبدى، بدوره مرونة وسلوكا حضاريا ورثه وهرّبه تحت جلده منذ زمن بعيد، أما السلوكيات الشاذة فتحفظ لدى كلا الطرفين ولا يقاس عليها، ذلك أن حجم المؤامرة على هذا الشعب تناهز تعقيدات السياسة، بل تتفوق عليها. إذا كان لسِفر الخروج السوري من بعض المنافع والمناقب فإنه قد جعلهم رحّالة وسياحا ومكتشفين بالإكراه، فأعادوا النظر في ما كانوا قد تعلموه من التاريخ والجغرافيا ورجعوا يتلمّسون العالم الذي خبره أجدادهم وساهموا في تأسيسه ولكن بضريبة قاسية هذه المرة وطعم أمرّ من الغربة، ذلك أنّ البحر الذي روّضوه في الماضي تنكّر لهم وابتلع الكثير من أطفالهم.

انحلّت عقدة الانغلاق لدى من أبصر الشمس تشرق خارج بلاده أيضا وليس بنعمة أو فضل من أحد، شاهد أوطانا جميلة دون أناشيد وطنية ورأى من كان يعتقد أنهم غزاة وكفارا ومتآمرين وهم يحبون ويتناسلون ويساعدون دون مقابل، واكتشف زيف من ظنهم إخوة وحلفاء ورفاق سلاح.

حي بن يقظان السوري أرضعته ذئاب الحرية قبل أسطورة روما، واكتشف نار العنفوان قبل بروميثيوس اليوناني، سخر من التاريخ والجغرافيا قبل لقائه بآكلي لحوم البشر، ونجا من حتفه قبل الأوروبيين والأميركيين.

كاتب تونسي

9