حي "شبرا مصر".. قوة قبول الآخر في مواجهة التطرف الديني

منطقة شبرا في وسط العاصمة القاهرة تعدّ نموذجا للسلام المجتمعي في مصر من خلال الخصوصيات التي تميزها، حيث نجح سكانها في مقاومة محاولات الفتنة الطائفية التي توجد في البعض من المناطق في مصر.
الخميس 2018/11/29
هنا يتجلى التماسك المسيحي- الإسلامي

القاهرة – يوحي التوتر الطائفي في محافظة المنيا (جنوب مصر) الذي يؤدي كثيرا إلى حوادث تستهدف الأقباط، أن المحافظة أصبحت خطرا عليهم، نتيجة نشاط الجماعات الإسلامية المتشددة. في المقابل، توجد في مصر منطقة أخرى، أشد كثافة بالمسيحيين، تسمى “شبرا مصر” في وسط القاهرة، يعتبرها كثيرون نموذجا للسلام المجتمعي، وما لحقها من توترات على فترات مختلفة لا ينسجم مع البيئة المكتظة، ونجحت في الحفاظ على خصوصيتها، ويقاوم سكانها محاولات الفتنة الطائفية، التي تعد أكثر استعدادا لانتشارها، مقارنة بأماكن أخرى في مصر، وحاول متطرفون استغلالها وفشلوا.

قبول الآخر

تستحضر منطقة “شبرا مصر” في وسط القاهرة عدة معان عند ذكرها في الحوارات النخبوية أو الشعبية، كما تعني أيضا المنطقة التي كانت تملك إرثا متعدد الثقافات، عندما عاشت بين أهلها جنسيات متعددة من دول العالم، لكن المعنى الأكثر أهمية في الوقت الراهن هو ترادف شبرا مع قوة التماسك المسيحي- الإسلامي، حيث لا تزال المنطقة تحمل الحد الأدنى من ثقافة استيعاب الآخر، ما يمكنها من تجاوز عواصف ومحن التطرف الديني في مصر.

يصعب فهم ثقافة قبول الآخر في شبرا، من دون إدراك ملامحها الجغرافية المترابطة. فالمكان يضفي خصوصية على علاقات ساكنيه الذين يفضلون اسم “شبرا مصر” تمييزا لتلك المنطقة عن “شبروات” أخريات ملاصقة لها جغرافيا، ومختلفة عنها سكانيا واجتماعيا واقتصاديا، مثل شبرا الخيمة في محافظة القليوبية (شمال القاهرة)، ولا تفصلها عنها سوى ترعة الإسماعيلية المتفرعة من نهر النيل، و”شبرا منت” في جنوب القاهرة.

تشكّل “شبرا مصر” بأحيائها الثلاثة الحديثة (الساحل، روض الفرج، شبرا) حلقة اتصال جغرافي بين القاهرة ومحافظات الدلتا، الأمر الذي جعلها معبرا لثقافات متعددة داخل مصر. لم تمح التغيرات المعمارية التي عرفتها “شبرا مصر” منذ إنشائها قبل أكثر من مئتي عام في عصر محمد علي باشا، منطق التداخل بين معالم المكان الذي اشتهر بتركز الأقباط فيه بكثافة، حيث تتجاور المساجد والكنائس، بما يفرض نمطا من قيم الجيرة الدينية.

ولا تبعد كنيسة سانت تريزا سوى مئة متر تقريبا عن مسجد الخازندارة في شارع شبرا، ويقابل مسجد عمر بن الخطاب في منية السيرج، كنيسة مار جرجس على الجهة الأخرى. الأهم هو سيادة منطق التشارك الخدماتي دون تمييز ديني، بما يخلق نمطا من الاعتماد المتبادل، ويوفر بيئة مصلحية داعمة لقبول الآخر، فأهل شبرا يتقاسمون الخدمات التعليمية والصحية، أو المساجد أو الكنائس، وتشهد المحلات التجارية وبيع الأغذية إقبالا دون أن يرافق ذلك محدد السلوك الديني.

لأن معالم شبرا المترابطة دينيا ومجتمعيا واقتصاديا خضعت لإرث تاريخي لا تزال ظلاله باقية، عرفت نمطا من القيم المختزنة حول قبول الآخر، فقد كانت هذه المنطقة إبان حكم الأسرة العلوية لمصر موطنا لسرايات وقصور الطبقة الارستقراطية ومتنزها هادئا للبرجوازيين آنذاك، وباتت مقصدا للمهاجرين، من الإيطاليين واليونانيين والأرمن والشوام، وللقادمين من الريف والصعيد المصري في النصف الأول من القرن العشرين، بعدما اكتسبت شبرا بعدا تحديثيّا بظهور خط الترام في العام 1902.

وأورد المؤرخ محمد عفيفي في كتابه “شبرا.. إسكندرية صغيرة في القاهرة”، أحداثا حول طبائع التسامح الديني. مثل ذلك كُتاب (دار) تعليم القرآن الذي تديره القبطية المُعلمة نادية، وشارع خمارويه في الترعة البولاقية التي نشأت فيه المغنية العالمية الراحلة داليدا لأبوين إيطاليين.

وعاش أيضا في المنطقة كبار مشايخ الأزهر، مثل الشيخ محمد أبوزهرة ونظير جيد القادم من الصعيد ليصبح البابا شنودة الثالث، بطريرك الأقباط في مصر السابق.

تركت تلك “الكوزموبوليتانية” ظلالا حية في ذاكرة الحي ومبانيه وإن سكنه مصريون فقط، ولا تزال بصمات الفرنسيين قائمة مع مدرسة نوتردام الفرنسية، والإيطاليين مع مدرسة الدون بوسكو في روض الفرج.

غادر الأجانب شبرا، لكن قيمهم تمددت عبر الطبقة الوسطى التي كانت عنوانا رئيسيا لمرحلة ما بعد ثورة 1952، وعُرفت المنطقة بمجتمع الموظفين خلال الخمسينات والستينات من القرن الماضي، جنبا إلى جنب مع أصحاب المهن الحرة والتجارة، خاصة في منطقتي روض الفرج والساحل، حيث تجار الخردة وسوق الخضروات قديما.

كنيسة سانت تريزا تبعد مئة متر تقريبا عن مسجد الخازندارة، وتقابل مسجد عمر بن الخطاب كنيسة مار جرجس

في تلك المجتمعات، تنشأ قيم الضبط الاجتماعي بين الجيران، مثل الخوف على الجار، مراعاة الآداب العامة، درء الاعتداء على الآخرين، كذلك يصبح الحراك الاجتماعي معتمدا على التعليم، بما يخلق ثقافة مشتركة ذات طابع استقراري، تحجم من أي طابع تمييزي بين المسلمين والأقباط.

حتى الاحتقانات الطائفية التي تظهر من حين لآخر وتتصاعد معها نبرات هوياتية “نحن وهُم” نتاجا لحوادث فردية (مشاجرات أطفال يلعبون سويا)، كان يتم احتواؤها، عبر تدخلات عرفية من كبار السن في المنطقة، أو بمنطق النسيان الاجتماعي وقيم العفو المبنية على التجاور، حيث عادة ما تحسم مقولة “نسكن بجوار بعضنا البعض للعشرات من السنين” العديد من النزاعات داخل المنطقة.

في هذه الأجواء لا تزال المناسبات الدينية تشكّل زخما لدعم الآخر، لتجد الصبية المسلمين والمسيحيين يتشاركون في جمع تبرعات في شهر رمضان لتعليق زينات الشهر الكريم، في مظهر يشير إلى قيمة الثقة المتبادلة، كإحدى دعائم رأس المال الاجتماعي.

بيئة "شبراوية" جديدة

أدى تآكل الطبقة الوسطى، منذ بداية التسعينات من القرن الماضي، بسبب تراجع دور الدولة، إلى كثير من المشكلات المجتمعية، وظهرت بيئة “شبراوية” جديدة تختلط فيها الحداثة بالعشوائية، وما يرافقها من قيم تهدد ثقافة قبول الآخر.

وتصاعد المد السلفي في شبرا منذ ثمانينات القرن الماضي، وصار من يمشي في بعض شوارع الحي يجد مفارقة لم يعرفها من قبل، فبينما ترتفع أصوات القرآن في الصباح، تجد أصحاب بعض المحلات يرفعون أيضا أصوات التراتيل المسيحية، في مؤشر ربما يعكس محاولة التأكيد على الهوية في المجال العام في شبرا، والتي لم تكن مطروحة من قبل إلا داخل المساجد أو الكنائس. وبرزت مشايخ السلفية، مثل محمد عبدالمقصود في مسجد نصر الإسلام في ميدان فيكتوريا بشبرا، والذي سعت الجمعية الخيرية في المسجد لتغيير اسم الميدان باسمها في 2009، وكذلك شارع طوسون، ما دفع نجيب جبرائيل مستشار البابا آنذاك برفع دعوى قضائية دفاعا عن تاريخ المنطقة.

مع تراجع الطبقة الوسطى، وصعود المد السلفي، وتحول بعض الشوارع إلى أسواق، هجر بعض المنتمين إلى شبرا إلى أطراف العاصمة، كامتداد لحركة هجرة لشرائح الطبقة المتوسط من قلب القاهرة إلى أطرافها.

من أهم الملاحظات التي تسترعي انتباه من يعيش في شبرا، أن غالبية أسماء الطلاب خاصة الأولى تبدو متشابهة، بما يصعب معرفة ما إذا كان يوسف أو مريم، أو هاني، أو عماد، مسلما أم مسيحيا، إلا إذا دققت في بقية اسم الأب والعائلة، دون إنكار أن الأجيال الجديدة تأثرت بمناخات المد الديني في مصر.

وأصبح المسلمون العاديون ينزعون إلى أسماء هوياتية دينية تاريخية، مثل جعفر وحمزة وأبوبكر وياسر وعمر، بينما اتجه بعض المسيحيين إلى أسماء غربية صرفة، مثل مايكل، مونيكا، أنجيلينا. يمكن فهم ذلك كتعبير عن صعود الولاءات الدينية الأولية، وتراجع الثقافة الوطنية للدولة لصالح الارتباط بمؤسسات الكنيسة والمسجد، وهو أمر ليس مقتصرا على شبرا أو حتى مصر وحدها، بل في العالم كله، خاصة في العقدين الأخيرين، لأن صعود ثقافة متعولمة خلف ردود فعل مجتمعية محلية مضادة تجد ملاذات آمنة نفسيا وقيميا في الولاءات الدينية الأولية.

يتوارى التآكل النسبي في بيئة شبرا في الأزمات الوطنية، وتجد أهل المنطقة يقفون على قلب رجل واحد، لذا يتذكر من عاش في شبرا أنه عندما ضربت الفوضى الأمنية مصر يوم 28 يناير 2011، كان المسلمون والمسيحيون صفا واحد في شوارع شبرا ومناطقها المختلفة، عندما قرروا حماية أنفسهم ومحالهم وكنائسهم ومساجدهم دون النظر إلى انتماءات دينية.

يظل السمت القيمي المميز لشبرا في قبول الآخر باقيا، برغم ما أسلفناه عن تغيرات في بيئة المنطقة، لكن المعضلة تكمن في اقتصار رؤية الحكومات المصرية المتعاقبة للمنطقة على أنها إما محور للقادمين من الدلتا إلى الأقاليم، ما يستلزم تكثيف إنشاء الكباري أو منطقة تعجّ بالعشوائيات، بما يتطلبه من تطوير تنموي. لم يتم توسيع تلك الرؤية باتجاه بناء مجال عام مدني يسمح بتنمية رأس المال الاجتماعي والثقافي الداعم لقبول الآخر والمكافح للتطرف، لأن ضيق المساحة الجغرافية مقارنة بالسكان وتدهور الأندية القديمة، مثل نادي أسكو، وتقلّص الساحات الشعبية، من العوامل التي دفعت المساجد والكنائس لتستحوذ على الفراغ في المجال العام.

13