حي عين شمس الغربي "غيتو" السودانيين في القاهرة

الزوابع السياسية تباعد بين المصريين والمقيمين، ومجمع سكني بتقاليد وطقوس سودانية خاصة.
الثلاثاء 2018/06/26
خرطوم صغيرة مغلقة

القاهرة - حي عين شمس، في شمال القاهرة، أحد الأحياء المصرية العريقة، تحول الجزء الغربي منه إلى ما يشبه مقاطعة سودانية. ويكفي التجوّل في بعض شوارعه وأزقته لاكتشاف مدى تحوله إلى ما يمكن وصفه بـ”الخرطوم الصغيرة” قصدها سودانيون جاؤوا على فترات متباينة.

بمجرد توقف قطار مترو الأنفاق في محطة عين شمس، تشاهد المئات من السودانيين يخرجون من عرباته، قاصدين المنطقة الغربية من الحي، والمئات مثلهم يستقلونه لقضاء مصالحهم في أماكن أخرى.

يقيم طاهر محـمـد، في الحي منذ ثلاثين عاما، ولديه أربعة أبناء، ويرتبط وجدانيا بالمنطقة التي كان جده لأبيه يعيش فيها قبل ثمانين عاما، والتحق بسلاح الهجانة، وهذا السلاح أحد مفاتيح فهم لغز وجود السودانيين في هذا الحي بكثافة، فقد تمت الاستعانة بهم في سلاح حرس الحدود المعروف بـ”الهجانة” في الجيش المصري.

يقول طاهر لـ”العرب” “نحن نرتبط بأيّ مكان اكتشفه أجدادنا، ونشعر كأنه وطننا الحقيقي، وحتى لو كنا غرباء عن بلدنا الأصلي.. استوطن أجدادنا هذه المنطقة، ولدينا إحساس بأننا نرثهم.. هذا والده كان هنا، وذاك جده أقام أيضا هنا، وجئت لثقتي وارتباطي بأبي وأجدادي”.

وبدأ نزوح السودانيين الكبير إلى حي عين شمس مع نهاية القرن الثامن عشر، وقت أن كانت مصر والسودان تابعين لحكم واحد.

ويؤكد الدكتور حيدر إبراهيم علي، وهو عالم اجتماع سياسي سوداني، لـ”العرب”، أنه عندما كانت مصر والسودان دولة واحدة، ضم الخديوي إسماعيل، حفيد محمـد علي باشا، أعدادا غفيرة من السودانيين إلى جيشه، وكانت له أحلام توسّعية، وألحقهم بسلاح حرس الحدود واختاروا حي عين شمس للإقامة.

بقي معظم هؤلاء، بل إنه بعد انتهاء حرب فلسطين عام 1948، تطوع الكثير من السودانيين في الجيش العربي، ورفضوا العودة إلى بلدهم، وتم تعيين بعضهم في الجيش المصري، وحصلوا على الجنسية، واستقر عدد كبير منهم في عين شمس، ما جعل الحي يمثل حنينا اجتماعيا لقطاع كبير من السودانيين.

ينتشر أبناء الجالية السودانية في القاهرة، في مناطق عديدة، مثل حي عابدين وميدان الأوبرا بوسط القاهرة، والمعادي في جنوبها، وإمبابة في غربها، ويظل عين شمس أكثر الأحياء جذبا للسودانيين للإقامة فيه حاليا. ويفتقد المصريين والسودانيين للتعايش معا، ولم يطو الطرفان فكرة اغتراب هذا عن ذاك، وتكاد لا تجد مصريا يجلس مع سوداني داخل مقهى أو مطعم، ومن النادر رؤية سوداني يتجاذب أطراف الحديث مع مصري، فقط يتبادلان كلاما مقتضبا يتعلق بالمعاملات والبيع والشراء.

لم تنجح سنوات الاستقرار التي قضاها علي طه في هذا الحي الشعبي، في أن توفر له صداقات مع مصريين، حتى مع أقرب جيرانه، ويبرّر ذلك لـ”العرب” بقوله إن “المصري لديه شعور بأنني غريب وجئت لأقاسمه رزقه ووطنه، هكذا يفكر بعضهم، وآخرون يتأثرون بالخلافات السياسية بين حكومتي البلدين التي تنشب من حين لآخر ويعتبروني خصما”.

تسود حالة من التوتر المكتوم في العلاقات بين مصر والسودان، ومشاحنات بسبب قضايا خلافية، والمثير أن الشرطة المصرية تتعامل برفق مع السودانيين، لكن علي طه، رب الأسرة السودانية المكونة من ثلاثة أبناء، يرى في ذلك رسالة سياسية لتظهر الحكومة المصرية أمام نظيرتها السودانية أنها مهتمة بتطوير العلاقات معها، وقال “نحن نريد تعايشا من القلب وليس لأجل مصلحة سياسية”.

ترابط وتكافل بين المصريين والسودانيين في الغربة لا يوجد مثله داخل مصر بين الطرفين

ويقول حيدر إبراهيم علي، وهو مدير سابق لمركز الدراسات السودانية في القاهرة، “بحكم عملي كباحث وأستاذ في علم الاجتماع، تنقلت بين دول كثيرة، لم أجد تعايشا وتكافلا وترابطا مثل الذي رأيته بين المصريين والسودانيين، لكن عندما يكونان مغتربين، فالأمر ذاته لا يوجد داخل مصر بين الطرفين”.

ويبرّر ذلك بقوله، “بعض الدول لديها تفرقة في التعامل مع المصري والسوداني، وعندما يغتربان يتلاحمان، أما داخل مصر فإنهما يتفارقان على الدوام، لأن الحياة السودانية تعتمد على الخصوصية الشديدة والتمسك بنمط المعيشة في وطنهم الأصلي، مهما تنقلوا بين الدول، كذلك المصري، لذلك تتباعد بينهما المسافات عندما يكونان معا في مكان واحد”.

يعترف إبراهيم، بأن مزاج الشعبين المصري والسوداني يتأثر بالتوترات السياسية، لا سيما عقب صعود الرئيس عمر حسن البشير إلى الحكم، وتعامله مع الأنظمة المصرية المتلاحقة على أنها تتربص بحكمه وتريد التخلص منه.

هناك فرق شاسع بين ارتباط المصريين ببلدهم، وغياب فكرة المواطنة والشعور بالانتماء لدى السودانيين في مصر.

ويعتبر المقيمون في عين شمس، أن الحي بمثابة وطنهم الحقيقي الذي نشأوا وتربوا فيه، وتراهم يحيطون هذه المعيشة بقدر كبير من الخصوصية والتضييق على كل من يحاول النبش فيها أو الاقتراب منها.

حاولت “العرب” دخول شارع إبراهيم عبدالرازق، أحد أهم مناطق تجمع السودانيين في عين شمس الغربية، وسألت بعضهم عن طبيعة الحياة والعلاقة مع المصريين، وكان رد فعلهم غير متوقع، فقد تعاملوا بفظاظة وتهديد باللجوء إلى الاعتداء البدني.. هم يرفضون أي حديث عن نمط حياتهم وسلوكياتهم.

الفرق بين هذا الحي بسكانه السودانيين ومطاعمه ومقاهيه، وبين حي عابدين في وسط القاهرة محدود، لأنهما يحتضنان نفس المشاهد تقريبا، لكن عين شمس يمثل بالنسبة إلى الجالية السودانية موطنا ومستقرا، أما حي عابدين وغيره، فهو مجرد نزهة أو إقامة مؤقتة ومحطة للقاء الأصدقاء القادمين من السودان.

من طبائع السودانيين الحرص على التمسك بمنهج التكافل والترابط لأقصى درجة، إذا كانوا خارج وطنهم. يمكن اكتشاف ذلك بسهولة بين القاطنين في حي عين شمس. من يأتي ولا يجد فرصة عمل، تراهم يوفرون له معيشة لحين تأقلمه ونجاحه في البحث عن وظيفة.

يأخذ الترابط في الحي الشعبي أكثر من شكل. وأنشأ السودانيون ناديا لهم يحمل اسم “النادي الاجتماعي للجالية السودانية”، فضلا عن جمعية الشباب السودانيين، وهذه النوعية من التنظيمات الاجتماعية شكلها الرعـيل الأول لتصبح سندا قويا يضم الأسر السودانية، حـفاظا على القيم والهوية والعادات والتقاليد ورعاية حقوق ومصالح الفـرد والجـماعة.

إذا مات سوداني، يقوم أحد التنظيمات الاجتماعية، النادي أو الجمعية، بالتكفل بكل شيء، بما فيه تجهيز الدار لتلقي واجب العزاء، وجمع التبرعات المالية لأســرة المتوفي، فضلا عن توزيع مواد غذائية على البسطاء منهم، والعمل على فض النزاعات والتحكيم بين المتخاصمين للحفاظ على تماسك ووحدة السودانيين.

يأتي الإنفاق غالبا من تبرّع ميسوري الحال السودانيين وبشكل اختياري. وتعيش في الحي العديد من الفئات الاجتماعية المختلفة، وعدد كبير منهم من المستثمرين في تجارة العطارة.

لا يحتاج المواطن السوداني شراء أيّ سلعة من خارج الحي تقريبا، وتتوافر العطارة مع بائعين كثر، يفترشون أرصفة الطرق الرئيسية، فضلا عن انتشار متاجر بيع السجائر السودانية وأشهرها “البرنجي”، وهناك صالونات مخصصة للحلاقة يديرها سودانيون.

يشير أحمد عبدالرحمن، بائع عطارة، إلى أن “جميع زبائني من السودانيين، فالعطارة والتوابل بالنسبة إليهم شيء أساسي.. انتشار المطاعم والمقاهي ومحال الحلاقة ضروري، لنا ثقافة وعادات وتقاليد وطقوس خاصة، وهذا لا يعني أننا منفصلون تماما عن المصريين، لكن نشعر أن بيئتهم لا توفر كل احتياجاتنا”.

ويقول “تناول الأكلات داخل مطعم سوداني يشعرني بأنني جالس في منزلي، فطعامنا جزء أصيل من ثقافتنا، وتقتصر جلساتي وعلاقاتي على أبناء جنسيتي كي أتحدث بأريحية دون خوف، يفهمونني ويعرفون مشكلاتي وما يثير غضبي وفرحي.. لا تتعجّب إذا قلت لك إن أكثرنا يفضل العزلة عن المصريين كي يتمكن من العيش بشكل طبيعي”.

20