حُرق الكساسبة فهل داعش هو المجرم الوحيد

السبت 2015/02/07

تفتق عقل الخليفة البغدادي عن إعجاز يسجل له في فنون القتل، فكان من نصيب معاذ الكساسبة وهو الحرق. ربما استند إلى فقه ما في إعجازه هذا، ولكن نشأة هذا التنظيم، وتطوره وأشكال قتله، تقول إنّ هناك رسالة سياسية محدّدة تقبع خلف المشهدية الهوليوودية للقتل الإجرامي. أن ينُاقش داعش كتنظيم إسلامي، وأنه وريث فقه قاتل، فإنّ العقل يقع في الفخ الذي نصبته الأنظمة لنا للتهرب من مسؤوليتها عن كوارث الوضع العربي، والذي يُراد لنا أن نقتنع به، أي أن الإسلام دين يتضمن القتل، وما يحدث في بلاد المسلمين أمر طبيعي، وأنّ الحرب الأميركية على الإرهاب ضرورة لتخليص البشرية من هذا الكابوس.

نقول دون تلكّؤ، داعش لم يخرج من كتب الفقه، بل خرج من رحم المعاناة وآثار الاحتلال الأميركي على العراق منذ 2003، ومن دوائر استخباراتية عديدة، وأُخرِج لتصفية فكرة الثورة، وأن الشعوب العربية قادرة على إسقاط الأنظمة وتشكيل دولها الحديثة، وجدير بنا التمعن في أنّ القاعدة ولاحقا النصرة وبعدها داعش وسواها، لم تكن موجودة ومشاركة في أي ثورة عربية، وها هي تجتاح كل البلاد العربية وتحديدا التي جرت فيها الثورات، بما فيها تونس.

غرابة القتل رجما أم حرقا أو رميا من أماكن مرتفعة أو ذبحا، لم تحصل لأن الفقه قال بذلك، فالفقه قال الكثير، وبما يخالف فكرة القتل ذاتها. إذن هذا النقاش في مكان ما فاسد كليا.

العودة إلى الفقه كمستند وسبب لتفسير داعش وفنون قتله تعفي القائلين بها من جديّة النقاش، وتوهم جمعا كبيرا من الليبراليين والعلمانيين، بأن داعش ومن يشبهها ما كانت لتوجد لولا رعاية الأنظمة العربية لتلك الجماعات، وبعثها الفقه المتخلف ذاته، وإيصال الإفقار إلى مستويات غير مسبوقة، ولتهشيم فكرة الثورة، وتدجين الشعوب لحالة قطيعية قادمة ثاروا للخلاص منها، وفيها يُحمّل الشعب ذاته مسؤولية إنتاج داعش، بينما الأنظمة وأميركا والحلف ضد داعش يريدون تخليصه من كل هذا، وبناء أوطان جديدة على أساس العدل والمواطنة.

مشهدية القتل فائقة الجاذبية يراد بها تسليط كل الأقلام على داعش ومشتقاته. الحديث أن داعش هو كل صوت ديني ثائر تزامن مع بداية الثورات، تبناه مفكرون علمانيون، أرادوا تكريس فهم ضيق، يؤكد أن الثورات ستفشل لا محالة، ولابد من تنوير فكري يسبقها بالضرورة، وأشهر من تكلّم عن ذلك جورج طرابيشي وأدونيس، وهناك من أعاد اكتشاف هذه الرؤية بعد أن تفاقمت الجهادية معتذرا عن رغبويته الثورية من قبل، وهناك من لا يزال يتوهم أن كل هذه الجهادية ما كانت لتظهر لو أن الثورات اختارت طريق السلمية، وهي صياغة سياسية للرؤية السابقة، متجاهلا أن من جعل السلميّة امرأةً عاقرا هي الأنظمة، وهناك من قال بهذا الأمر لتبرير مواقف الأنظمة وفق توكيل مالي، وهؤلاء لا نهتم لأمرهم، فهم جامعو مال بطريقة رخيصة.

المهم أن هذه الرؤية تتجاهل دور الأنظمة القامعة للحريات من قبل، والمانعة لتشكل وعي حداثي، وأن الوعي بالضرورة سيكون دينيا، وكونه كذلك حالما بدأت الثورات، فإن كتلة كبيرة من الشعب لابد أن تعبّر به عن الثورة. هذا الوعي وتعبيراته، لا يعني أن داعش سليل ذلك الوعي، فداعش أنتجه مجمل الأوضاع المتأزمة لما قبل الثورات حيث القمع ومختلف أشكال الحرمان ومجمل الأوضاع المتأزمة لما بعد الثورات، ومختلف أشكال التدخل الخارجي وعدم القدرة على حسم الصراع ضد كل أشكال النظام القديم وتأسيس نظام جديد، يؤمّن مجتمعا جديدا.

ما دام الرد الأميركي يمر عبر تأهيل الأنظمة لتحكم من جديد، وما دامت الدول العربية لا تضع شروطا على مشاركتها في الحرب تنقل سوريا إلى الحل السياسي، وما دامت المعارضة السورية لا تزال تعتبر الجهادية جزءا من الثورة، كما فعل رئيس الائتلاف الوطني لقوى المعارضة خالد الخوجة حينما طالب جبهة النصرة بفك الارتباط مع تنظيم القاعدة، وحين يمتدح معاذ الخطيب زهران علوش الذي قصف دمشق ردا على قصف النظام للغوطة، منافسا إياه في حصد أكبر عدد من الأرواح، لن يتوقف داعش عن الاستمرار وكذلك النصرة وجيش الإسلام وأحرار الشام ما لم تنته المهمة الموكولة لهذه التنظيمات، وتتحدد بتدمير لفكرة الثورة، وإعادة التوافق بين روسيا وأميركا على سوريا، وإنجاز التوافق الأميركي – الإيراني على النووي الإيراني ودور إيران في المنطقة. داعش تنظيم له وظائف يحققها بعمالة أم بجهالة، أو بإدارة تابعة لأجهزة استخبارات.

هل هذا يعني أن كتب الفقه والتي تتضمن القتل والحرق والذبح وغيرها من الأحكام، ليست مشكلة، ولا تستند إليها جماعات جهادية. لا هي مشكلة، ولكنها تدرّس وتباع في كافة المكتبات العربية، وستبقى كذلك ما لم تتم إعادة قراءة كل التراث ونبذ هذه الأحكام واعتبارها فقه الأزمات، واعتبار كل أعمال إجرامية تتم وفقا لها أعمالا قصدية، وينال مرتكبوها أشدّ العقوبات، باستثناء القتل المرفوض كليا. ونضيف أنها لم تنتج الجهادية من قبل، ولنقل أنتجت نسخة أخرى منها، وهذا متعلق بأسباب سياسية وليس لأن الفقه فيه أحكامٌ قاتلة يجب نبذها.

أصدر الأزهر فتوى تتضمن حد الحرابة ردا على حرق معاذ الكساسبة، وأعدم الأردن جهاديين وجهاديات ردا كذلك، وكرر النظام السوري أن على أميركا أن تعتمد عليه في الحرب ضد داعش. وهكذا تتالى الأصوات، وكلها تعتبر داعش الشيطان الرجيم. الحقيقة أن داعش يمثل هذه الأنظمة، فبماذا يختلف الإعدام عن الحرق؟ وبماذا يختلف حد الحرابة عن الحرق، وبماذا تختلف أفعال أميركا في العراق منذ عام 2003 عن جرائم داعش، وبماذا تختلف أفعال النظام عن أفعال داعش. قليل من الجدية حينما نناقش داعش، إنّه ابن شروط خلقتها الأنظمة.


كاتب سوري

9