حُكم النساء

الأحد 2016/01/31

لطالما تساءلت بأنه لو قُدر للنساء أن يحكمن العالم وأن يتخذن القرارات المصيرية في قضايا الشعوب، أما كان العالم أقل شرا عما هو عليه من حكم الرجال؟ وأظن أن كثيرين يشاركونني هذه التساؤل، لأنني أدرك أيّ نعمة هي الأمومة وأعرف الأبعاد العميقة لهذه الكلمة.

فالأمومة ليست مجرد غريزة تدفع الأم للعناية بطفلها، بل الأمومة في جوهرها هي فهم أعمق للعالم والأحياء كافة، وهي طريقة في التعامل مع الناس والمخلوقات بطريقة أكثر رحمة وتعاطفا وفهما واستيعابا، الأمومة توسّع مساحات الحب في النفس إلى ما لا نهاية، وهي موهبة الحب بلا حدود والأمومة نكران للذات والأنانية، والأم تملك قدرة عالية على التضحية والحب لأبنائها مهما أخطأوا، بل إن أجمل تعريف قرأته للحب هو: الحب هو تحريض الآخر ليكون أفضل.

ماذا لو حكمت النساء العالم؟ ألن يكون العالم أقل شرا وأكثر إنسانية؟ سؤال مستفز وليس من السهل الإجابة عليه. ولكنني حين أستعرض عدة حالات لقائدات ونساء شغلن مناصب أجد أنني أمام تحدّ حول حُكم النساء، وتسعفني ذاكرتي بصورتين واضحتين لكونداليزا رايس (التي كانت وزيرة خارجية أميركا) وتسيبي ليفني الإسرائيلية تجلسان متجاورتين توقّعان أوراقا لضمانة أمن إسرائيل والحرص على عدم دخول أيّ سلاح إلى قطاع غزة، ولم تتأثر أيّ منهن بصور أطفال غزة الجياع والمُروعين من العنف الإسرائيلي الوحشي، أطفال فلسطين الذين اضطروا لثورة الحجارة ومن بعدها ثورة السكاكين لمواجهة الظلم الوحشي الإسرائيلي، لم تتأثر المرأتان لمأساة الشعب الفلسطيني ولا لصور مجازر أطفال وشباب فلسطين وخاصة مجزرة جنين وغزة، تحضرني أيضا هيلاري كلينتون التي تطمح لا أن تكون رئيسة أميركا فحسب بل رئيسة العالم، لم أجد في سياستها أيّ رحمة أو رأفة بشعوب العالم، ولا يبدو أن كونها أمّا يبدّل شيئا من سياستها القاسية الاستعمارية تجاه شعوب العالم، والكل يعلم أنه في اليوم الذي زارت فيه ليبيا ولم تبق سوى بضع ساعات تم قتل القذافي بتلك الطريقة الوحشية الموغلة في إذلاله وإهانته، وأنا هنا لا أدافع عن دكتاتور كالقذافي لكن هيلاري كلينتون كانت راضية وموافقة على هذا العنف الوحشي.

من جهة ثانية، نلاحظ إصرار العديد من النساء على المساواة مع الرجل في العنف الوحشي، ومنذ اندلاع ثورات الربيع العربي وانحراف بعضها عن مساره التنويري المقاوم للظلم، شهدنا نماذج من نساء يطالبن بالمساواة مع الرجل في العنف، وأصبحنا نشاهد زعيمات لامعات لتنظيمات نسائية متشددة، ولا أنسى الحوار الذي حضرته على شاشة إحدى الفضائيات مع سميرة أحمد جاسم، وللوهلة الأولى تبدو أشبه بالمربية الفاضلة لرصانتها ولباسها المبالغ في الاحتشام لكنها سرعان ما تصعق المشاهدين حين تعترف بكل فخر واعتزاز بأنها زعيمة تنظيم نسائي عُنفي يضم أكثر من ثمانين امرأة في العراق، وبأنها قامت بنفسها بالتنظيم والإشراف على تنفيذ ثلاثين تفجيرا انتحاريا قامت به انتحاريات ومعظمهن أمّهات!

سميرة جاسم لا تقبل بتهمة أنها زعيمة تنظيم إرهابي نسائي، بل تستبدل تلك العبارة بحق المرأة في المقاومة والمساواة مع الرجل! لا أعرف كيف تشعر سميرة جاسم وهي تدفع امرأة تلو الأخرى لتفجير نفسها، غير مبالية بالأطفال الذين سيحرمون من حنان الأمّ، لعلها تحس بمتعة المنافسة مع الرجل في العنف الذي أصبح عنوان عصرنا، لعلها تؤمن بمساواة من نوع خاص مع الرجل وهي المساواة في الإجرام، لعل العنف هو الخيار الوحيد المتبقّي لإنسانة يائسة حتى نخاع العظم، بحيث أصبح العنف وحده وسيلة للإحساس بالوجود وتحقيق الذات، وللتفريغ عن الإحساس بالقهر والظلم، يمكننا أن ننكر أننا نعيش في عصر صار العنف فيه ثقافة، والمرأة مثل الرجل تتأثر بتلك الثقافة العنفية، بل المرأة تخضع لعنف مُضاعف، العنف المفروض عليها من واقع الحكم الاستبدادي في بلادها، والعنف الذكوري الذي يمارسه المجتمع الأبوي الذكوري عليها.

إن ثقافة العنف لا تميز ذكرا عن أنثى، لأن العنف يصهر الجنسين في بوتقة الجنون والإجرام وغياب العقل والمنطق، فلا تُزهر سوى الأحقاد. بل إن الأطفال أنفسهم أصبحوا ضحايا لثقافة العنف، وكم من أطفال تُنتهك طفولتهم ويُزجون في أعمال إرهابية وفي معارك وحشية.

للأسف لن يكون العالم أقل وحشية وشرا إذا تسلمت النساء الحكم، لأن المرأة مثلها مثل الرجل ضحية سياسة وثقافة العنف، ولأن ثمة تعارضا كبيرا بين الأمومة والأنوثة وبين السلطة التي لا قلب لها ولا تعرف معنى الرحمة والإنسانية. وأحب أن أشير لأسطورة ميديا الرائعة التي حوّلت إلى فيلم سينمائي من إخراج المبدع العبقري بازوليني، ميديا الأم الرائعة لأربعة أطفال تطلب من الآلهة أن تحكم بلادا شاسعة، وتستجيب الآلهة لطلبها بشرط أن تضحّي بأطفالها الأربعة، وتعيش ميديا صراعا شرسا بين حبها لأطفالها وبين شهوة السلطة وضرورة تضحيتها بأطفالها، لكن هوى السلطة انتصر فما كان من ميديا إلا أن ذبحت أولادها واحدا تلو الآخر وصارت ملكة.

إنّ هوى السلطة والطمع هما أصل الشرور ويفتكان بإنسانية الرجل والمرأة على حد سواء، فلا يعود للأمومة من معنى ولا للأنوثة أيضا ولا حتى للمفهوم العظيم للرجولة، بل يصبح الجميع وحوشا لاهثة للمزيد والمزيد من سفك الدماء والإجرام والمطامع. كانت تسيبي ليفني تتأمل بفخر ونشوة الطفل الإسرائيلي وهو يُلصق علم إسرائيل على رأس الصاروخ الذي سيقتل أطفالا فلسطينيين في قطاع غزة!

إن نعمة الأمومة تضمر وتتلاشى أمام هوى السلطة، وإن السقوط لا يُمكن إلا أن يكون شاملا خاصة حين ينعدم الضمير والحس الإنساني. ولا أذكر أيّ فيلسوف قال عبارة: انعدام الضمير يولّد الوحوش.

كاتبة من سوريا

21