"خارجة عن القانون" قضية بوبيني 1972 على خشبة المسرح

المسرحية صورت الظروف التي عاشتها النساء في فرنسا قبل صدور قانون فيل، بيد أنها غلبت الجوانب التربوية على الجانب الفني.
الاثنين 2019/08/26
كلهنّ متهمات حتى إشعار آخر

“خارجة عن القانون” مسرحية ألفتها وأخرجتها بولين بيرو انطلاقا من “قضية بوبينيي” التي هزت فرنسا في مطلع سبعينات القرن الماضي، وساهمت في سن قانون فيل 1975، نسبة إلى سيمون فيل وزيرة الصحة في ذلك الوقت.

تواصل المخرجة الفرنسية بولين بيرو ربط المسرح بالقضايا المجتمعية الراهنة، تلك التي تبدأ كأخبار مثيرة تتناقلها وسائل الإعلام، ثم يتضاءل وقعها بمرور الزمن فيطويها النسيان، فهي حريصة على التذكير بما كان حتى لا يتكرّر، وحتى يعلم من لم يعايشوا تلك الأحداث بأن ثمة من ناضل للحصول على إدانة الجناة أو مراجعة بعض القوانين الجائرة.

فبعد تصديها في مسرحية “قلبي” للفضيحة الصحية التي عرفت بـ”ميدياتور” اسم الدواء الذي تنتجه مختبرات “سيرفيي”، والذي تسبّب في موت بعض المصابين بمرض القلب، وجّهت عنايتها نحو قضية أخرى هزّت فرنسا في مطلع السبعينات، هي قضية ماري كلير شوفاليي، تلك الفتاة التي حملت نتيجة اغتصاب وهي لم تتخط عامها السادس عشر، فأعلمت أمها التي استعانت بقابلة لتجهض ابنتها خلسة. ولما افتضح الأمر أحيلت الفتاة على محكمة الجنايات، لتحاكم بوصفها مجرمة، “خارجة عن القانون”، وهو عنوان المسرحية.

تلقّفت وسائل الإعلام الحادثة، وحوّلتها إلى قضية رأي عامّ، لاسيما بعد أن نشرت مجلة “نوفيل أوبسرفاتور” بيانَ تضامنٍ مع المتهمات وتنديدٍ بالقانون الجائر وقعته 343 امرأة من مشاهير الحركة النسائية والساحة الفنية والمسرحية، وساندته جمعية “اختيار” التي تترأسها الفيلسوفة سيمون دو بوفوار، وتطوّعت للدفاع عن الفتاة وأمها والقابلة وجارتهنّ، المحامية المعروفة جيزال حليمي.

ولما عرضت القضية عام 1972 أمام محكمة بوبينيي، طلبت الأستاذة حليمي مثول النائب عن الحزب الاشتراكي ميشيل روكار، وكان يستعد لتقديم مشروع قانون في هذا الغرض ينسخ قانون 1920 الجاري به العمل، مثلما طلبت مثول جاك مونود عالم البيولوجيا والكيمياء الحيوية المتوج بجائزة نوبل للطب عام 1965، والممثلة دلفين سيريك التي أجهضت خارج فرنسا لأنها تملك أسباب العلاج في المصحات الأجنبية، دون أن تتعرض للملاحقة.

خارجة عن القانون

وكان يوما مشهودا وقفت خلاله المحامية لتخاطب هيئة المحكمة بشجاعة نادرة، قائلة “معذرة، سادتي الكرام، لقد قرّرت هذا المساء أن أقول كل شيء. انظروا إلى أنفسكم، وانظروا إلينا. أربع نساء يَمثُلن أمام أربعة رجال.. للحديث عن ماذا؟ عن المسابر، والرحم، والبطون، والحمل، والإجهاض! ألا ترون أن الظلمَ الأساس الذي لا يطاق كامنٌ هنا؟ نساء أربع أمام رجال أربعة”. وذكّرت بأن ما بين العشرينات والسبعينات، أي في السنوات التي فرض فيها قانون منع الإجهاض، توفيت في فرنسا نحو ربع مليون امرأة.

وتندرج المسرحية في ما يعرف بالمسرح التوثيقي، وقد انبنت هنا على زمنين يربطان التاريخ الأصغر (مأساة الفتاة) بالتاريخ الأكبر (ما جرى ويجري في فرنسا)، سردية خطية بين حادثة لافتة، ومحاكمة اشتهرت بـ”قضية بوبينيي 1972″ سوف تكون حدّا فاصلا بين زمنين، ما قبل القضية وما بعدها، لأنها سوف تفتح الباب لمراجعات عميقة آلت إلى سنّ قانون جديد، يمنح المرأة حق امتلاك جسدها.

وشكّلت مارتين شوفالّيي الخيط الرابط للعرض، فقد تقمّصت دور ماري كلير في كبرها، لتروي ما جرى، وأثر ذلك في نفسية المراهقة التي كانت. وقد هُيئ ديكور يشمل مطبخا متواضعا، بأثاث السبعينات، مع فرجة تفتح على فناء العمارة، وجُعل كل ذلك خارج حقل الخشبة. أما الحكاية فقد قامت على أحاديث أجريت مع ماري كلير، تعرّضت فيها لعملية الاغتصاب التي كانت ضحيتها، والإجهاض الذي أجرته “صانعة ملائكة”، وهو الاسم الذي كان يطلق على القابلات اللاّتي يمارسن الإجهاض والتوليد خلسة، عقبه التبليغ عنها للسلطات المعنية، وإيقاف ماري كلير بتهمة ارتكاب جريمة حسبما تقتضيه فصول قانون 1920.

خارجة عن القانون

ثم جاءت المرافعة في ديكور يبدو في خلفيته مكتب المحامية، وفي مقدمته حرم المحكمة حيث سيتناوب الشهود، أقارب ماري كلير، القابلة، إلى جانب الأسماء المعروفة آنفة الذكر، ترافق مع بث صور في الخلفية عن عريضة الـ”343″ ومحكمة بوبينيي ومرافعة جيزال حليمي التي أكّدت أن المتهمة ضحية وليست مجرمة.

يُذكر أن تلك القضية ساهمت في تخفيف الأحكام المسلطة على النساء المجهضات في فرنسا، فمن 518 إدانة عام 1971، انخفض العدد إلى 288 عام 1972، ثم إلى بضع عشرات عام 1973، قبل أن تعرض سيمون فيل وزيرة الصحة في ذلك الوقت قانون “الإيقاف الإرادي للحمل” في 26 نوفمبر 1974، الذي ختمته بقولها “الإجهاض هو دائما مأساة، وسيبقى دائما مأساة”، وقد صادق عليه البرلمان في العام الموالي، وصار يعرف باسمها.

لا جدال أن المسرحية صوّرت بصدق الظروف التي عاشتها النساء في فرنسا قبل صدور قانون فيل، بيد أنها غلّبت الجوانب التربوية والتوعوية على الجانب الفني، فلئن كان الممثلون والممثلات الذين تناوبوا على أداء نحو عشرين دورا مُقنعين في أدائهم، فإن الإخراج وجد صعوبة في تجاوز سردية أفقية، اكتفت بالنواحي الإخبارية والتفسيرية، ولم ترقَ كثيرا إلى مستوى الموضوع التي تثيره، وأبعاده الأخلاقية والإنسانية.

16