"خارج السرب" لفهمي جدعان

السبت 2016/08/20

قبل قراءتي لكتاب “خارج السرب” للمفكر وأستاذ الفلسفة فهمي جدعان، الذي يعرض ويحلل فيه تيارات “النسوية الإسلامية”؛ الإصلاحية والتأويلية والرافضة، كنت أجهل وجود حركة أو قضية تُدعى “النسوية الإسلامية” في سياق الثقافة والحياة الفكرية الإسلامية، على غرار النسوية في الأدب والفن والتي ظهرت في مجال النقد.

ومن ثمّ فإن وجود نموذج إسلامي لها أمر لم يكن يخطر في بالي لأن الثقافة الإسلامية السائدة، كما هو معروف، تتعارض مع قضية تحرر المرأة على نحو مطلق والمساواة بين الجنسين، ناهيك عن أن الموضوع، أي النسوية الإسلامية، كأطروحة فكرية، لم يحظ بالاهتمام الذي يستحقه من مفكرينا وباحثينا.

يستحضر فهمي جدعان، في الفصل الأول من الكتاب، الأساس القاعدي الذي تقوم عليه النظرة الإسلامية الاتباعية التقليدية، وفق ما نطقت به النصوص الدينية المركزية الماثلة على وجه التحديد في القرآن والسنّة وفي الأخبار. وذلك لأن تمثّل وضع المرأة وتشكيل الصورة التي يحيل عليها جميع الناظرين لمشكلة المرأة المسلمة خلال العصر الحديث، وفي عصرنا الراهن، يرتدان كلاهما إلى النظرة المشتقة من هذا المجموع الفقهي النسائي الذي تنطوي عليه هذه النصوص. ويخلص جدعان من ذلك إلى أن ما ذهبت إليه الإصلاحية الإسلامية الحديثة والمعاصرة في شأن المرأة، لا يدرك المعنى الدقيق للنسوية، إذ هو لا يخرج عن فهم متفاوت الاستنارة للنصوص، ولا يحاول البتة أن يخرق هذه النصوص أو يتجاوزها أو يعلقها أو يستبدل بها غيرها على سبيل الرفض والهجر أو تعديل الفهم. قصارى همّه أن يسوّغ أو أن يبرز أحكام الإسلام المشكّلة على الضمير الحديث والحساسية الحديثة، أو أنه يقدّر أهمية هذا الضمير وهذه الحساسية، فيبذل ما بوسعه من أجل أن يجعل أحكام الدين قريبة منهما، أو موافقة لهما. ومنطلقه الأول في ما يصنع هو المجموع الفقهي النسائي التقليدي.

في تحليله للنسوية التأويلية يقف جدعان على كتابات نزعت إلى إبراز نسوية إسلامية قائمة على التأويل وإعادة قراءة النصوص والواقع التاريخي، من دون أن تخرج أصحابها أو صاحباتها من حدود الدين والإيمان. ويرى أن الحرية أصبحت عند التأويليات المسلمات قاعدة مركزية عنت عندهن حرية النساء ومساواتهن بالرجال، وتحريرهن من جملة القيود التي أعاقت نماءهن وتطورهن، وصادرت حقوقهن، وعزلتهن عن الفضاء العام، وألقت بهن في غياهب القفص الخاص والسيادة الذكورية. لكن هذه الحرية التي تعلقت بها النزعة التأويلية لم تذهب إلى مدى الاستقلال المطلق، والنقد الجذري، والتحرر من كل سلطة، إذ ظل النص الديني مصونا مقدّسا، وإن بات طيّعا لسياق التأويل.

يتمثّل جدعان، في مقاربته لأفكار عدد من النسويات الرافضات، التمييز بين “العقل المعرفي” و”العقل الوجداني” أو “الانفعالي”، فيذهب إلى أن الإفراط الانفعالي قد بلغ عندهن، على وجه العموم، مدى بعيدا، وأن فضاء الحرية الفسيح، الذي توافر لهذه العصبة في الغرب، وجّه “الإصابة” لأن تتشكل في بنية الرفض الحاد، وتطاول بدورها كل ما ألف العقل المعرفي أن يقف عنده موقف “التفكّر” و”الفهم” والتقويم الموضوعي الحكيم والأخلاقي. لقد اختار العقل الانفعالي أو الوجداني المأزوم عند هؤلاء النسويات، بحساسية مفرطة، للاحتجاج على أحكام الدين المتداولة في حق النساء، سبيل الغضب الذي تفجر في عنف لفظي غير عادي. ولم تكن المسألة عندهن مسألة إصلاح الإسلام، بإعادة قراءته أو تأويله، وإنما بإقصائه وباستبدال قيم التنوير به.

من وجه آخر يرى جدعان أن نسويات الرفض أغفلن إغفالا جليا الأساس العلمي الخالص في شأن ما استحضرنه من أشكال الافتئات والظلم والتفاوت والتمييز في حق النساء، إذ حمّلن الله والنبي والقرآن المسؤولية في ذلك كله، في حين أن المجتمع البطريركي في العالم الإسلامي هو الذي يتحمل هذه المظالم. ولذا كان ينبغي على هؤلاء النسويات أن يبذلن جهدا علميا من أجل وضع الأمور في نصابها، ومن أجل أن يكون النقد العلمي، لا الهجاء والقدح والذم والسب، هو الأحق بأن يتبع.

كاتب من العراق

15