"خارج الفصول تعلمت الطيران" نصوص امرأة ثائرة

التصنيفات الجنسية في الأدب قد تجعل منه صراعا يقف عند حدود جنس الكاتب، خصوصا في ما يتعلق بمصطلح الكتابة النسائية، لكن في المقابل ثمة كاتبات لا يمكن إلا أن نضعهن ضمن هذا التصنيف، ليس من باب الاعتباطية أو التقليل من شأن الكتابة، بل العكس تماما حيث تأخذ كتاباتهن النسوية ركيزة فكرية وفنية.
الخميس 2016/06/02
الوطن عند حليوي لم يحضر في صورة مثالية

ما إن تقرأ للكاتبة الفلسطينية شيخة حسين حليوي حتى يمكنك تصنيف نصها مباشرة في خانة الكتابة النسوية والكتابة الذاتية متحدين باعتبارهما مصدرا للبحث عن هويتها الإنسانية في كتاباتها التي تمثل مزيجا من السرد والتأملات.

تأخرت شيخة حسين كثيرا لتفاجئ قارئها بإصدار أول بعنوان “سيدات العتمة” (2015) ومن ثم إصدار ثان “خارج الفصول تعلمت الطيران” مؤخرا، وقد قسمت نصوص كتابها الأخير إلى خمسة أقسام أو عناوين كبرى وهي “نصوص المكان/ نصوص النساء/ نصوص الكتابة/ نصوص الذات/ نصوص العائلة”.

تتميز نصوص حليوي التي ضمها كتاب “خارج الفصول تعلمت الطيران” الصادر عن دار الأهلية للنشر والتوزيع، بالسرد الذاتي، ليس من خلال حضور ضمير المتكلم فقط، ولكن من خلال الموضوعات المتعلقة بكل ما يحيط بها، حيث نجد أنفسنا قبالة ذات تكاشفنا عاطفيا وفكريا كما تكاشف نفسها.

تُصور الكاتبة في القسم الأول من الكتاب “نصوص المكان” علاقتها بوطنها فلسطين لتماهي بينها وبينه “كنتُ صغيرة جدًا، لم يجتهد أحد من حولي كي يحدثني عن الوطن. اعتقدت لشتاءين متتاليين أن الوطن هو كيس النايلون المتين الذي يصمد حول أحذيتنا يوما كاملا دون أن ينفذ منه وحل الطريق”. الكاتبة ترسم معاناتها ومعاناة من يشبهونها والذين تلتقي بهم ضمن هوية واحدة هي “الوطن”، لكنها في تعريفها للوطن أو معنى الوطن وفق رؤيتها الذاتية تقدم تصورا يتطابق مع هؤلاء الذين تحدثنا عن معاناتهم.

الوطن عند حليوي لم يحضر في صورة مثالية، مثلما نتخيلها كلما ألقي بكلمة وطن أمامنا. فالكاتبة ترفض التصوير المثالي للأماكن ولكل العناصر التي تكتبها وكأنها تحاول التعرف عليها من جديد، ثمة علاقة حب مؤكد، وفي المقابل فإن هذا الحب ليس “أعمى” وإنما هو حب واع، واع بما حوله، لذا تحاول الكاتبة تعرية القبح في محاولة لفهم الواقع وتحليله. فأول الشفاء الاعتراف بالمرض، كما ترى الكاتبة التي تتخذ من الكتابة وسيلة لنفض الغبار عن القبح الذي أصاب وطنها “هذا الوطن.. هل أقول لك فعلا ما أعرفه؟؟/ هو لا يحتاج سوى أن يموت ويُبعث ميتا من جديد وأنتِ سيدتي أيضا لك أن تخمني”.

تستعير الكاتبة صور الأماكن من حولها “النهر / الوطن/ القرية / احتفاء بمعنى الكتابة ذاتها، أو بالأحرى بجوهر الكتابة من حيث هي علاوة على كونها فعل تمرد وثورة شاملة حتى على حدود الأجناس فإنها كذلك إعادة خلق للعالم.

الكاتبة تنطلق في سرد حكايات النسوة من خلال ذاتها، لتعبر عن واقع جماعي لنساء أخريات استبطنت مشاكلهن وتفاصيل حياتهن

هذا الاحتفاء- أي الاحتفاء بجوهر الكتابة – يبرز لنا أن الكاتبة تجعل من النص واللغة وسيلتها لرفع الاضطهاد الاجتماعي الذي تعاني منه المرأة، حيث تذكر ذلك من خلال سرودها عن علاقاتها بالعائلة، مثلا ما جاء في “نص نساء العائلة وهو النص الأكثر طولا بالكتاب تقريبا”.

تسرد لنا شيخة حسين حليوى واقع النساء في المجتمعات العربية “النساء اللواتي يزغردن لعرس أزواجهن/ النساء الكاتمات لحزنهن / النساء اللواتي لا يعرفن إلا طريقا واحدا/ النساء اللواتي لم يتعلمن شيئا غير الطبخ والجلي والغسيل/النساء اللواتي حين يرحلن كأن لم يكن يوما” بحيث لا يتعدى دور المرأة ما تفعل من أعمال منزلية. ولكن حليوي المرأة البدوية كانت عصيّة على هذه الأطر الموضوعة مسبقا من قبل مجتمع ذكوري عززه استسلام من المرأة نفسها.

في نص “قائمة” تكتب حليوي عن نوع آخر من النساء أو كما تضع لهن هي تعريفا “النساء اللواتي لم ولن ترد أسماءهن في سفر الشعر والشعراء”، وتحدثنا عن عماتها وجدتها وجارة أمها الشاعرات والساردات.

وتنطلق الكاتبة في سرد حكايات هؤلاء النسوة من ذاتها، لتعبر من خلالها عن واقع جماعي لنساء أخريات استبطنت مشاكلهن وتفاصيل حياتهن لحظة الكتابة، وهذا الإسقاط أو لبس الآخر جاء في النصوص بنفس ثائر يطمح إلى تغيير واقع المرأة، ثائر على الموروث والتقاليد وحتى على الأجناس الأدبية.

شيخة حسين حليوي تعلمتِ الطيران خارج الفصول، حلقت خارج نواميس مجتمعها وعاداته المكبلة، تمردت عليه، كما خرجت عن التصنيفات الكتابية ولكنها لم تخرج عن كونها امرأة في مجتمع ذكوري أبوي.

15